إعلان الرئيسية العرض كامل


الصلح في نزاعات التحفيظ العقاري


الصلح في نزاعات التحفيظ العقاري



مقدمة:

يقصد بالتحفيظ العقاري "ذلك الوعاء القانوني والهندسي لكل الحقوق العينية والتكاليف العقارية المصاحبة للعقار في فترة معينة من حيث إنه يصونها من كل ما يمكن أن ينازع في وجودها
فالتحفيظ العقاري هو عبارة عن مجموعة من أعمال تقنية وهندسية معلنة للعموم تضبط هوية العقار وتعطي للحقوق المقيدة برسمه القوة القانونية  تجاه الكافة بعد القيام بالإشهار لحالته المدنية بالجريدة الرسمية وذلك لتطهيره من كل ادعاء  يتعرض من خلاله طرف م الغير حول حق معين غير مسجل بالدفتر  العقاري الخاص به.
فهذه المنازعة –أي التعرض- يمكن وضع حد لها إما بتصالح الأطراف ذوي العلاقة في المرحلة الادارية، وذلك بتنازل كل طرف للآخر على جزء من مطالبه وظهور الطرفين المتنازعين بمظهر "المتصالحين" أمام المحافظ على الأملاك العقارية، الذين اختصروا طريق  تسوية النزاع بينهما باللجوء إلى الصلح الذي يوفر مزايا ومكاسب لكافة  الأطراف وذلك لما يميزه عن مسطرة التقاضي العادية التي تتسع بالبطء وهدر الطاقات والجهود البشرية والمصاريف، بالإضافة لما يصاحبها عادة من طول آماد النزاعات أو إطالتها وتشعبها ولما تلحقه باقتصاد البلد وبأطراف الدعوى من أضرار وما يترتب عنها من تدهور العلاقات الاجتماعية بين الفرقاء وما يتولد عن ذلك من مآسي اجتماعية وإنسانية خصوصا حينما يتعلق الأمر بنزاع بين الأفراد من عائلة واحدة أو من عشيرة أو وسط اجتماعي واحد.
مسطرة الصلح الادارية
تنص الفقرة الرابعة من الفصل 31 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل والمتمم بالقانون رقم 14.07 على أنه: "يسوغ للمحافظ أثناء جريان المسطرة وقبل توجيه الملف إلى المحكمة المختصة أن يعمل على تصالح أطراف النزاع ويحرر محضرا بالصلح.
ولإتفاقيات أطراف النزاع المدرجة بهذا المحضر قوة التزام عرفي"
نص المشرع في هذا الفصل على إمكانية إجراء الصلح في النزاعات القائمة حول التحفيظ العقاري بأن يتدخل السيد المحافظ على الأملاك العقارية،  وذلك قبل أن يوجه الملف إلى المحكمة أي قبل المرحلة القضائية لنزاع التحفيظ.
لكن ما يمكن ملاحظته هو أن المشرع لم يحدد مسطرة معينة يجب اتباعها لتحقيق هذه العملية بل ترك للمحافظ سلطة تقدير الظروف المحيطة بالقضية وتحديد المكان الملائم. فمسطرة الصلح التي يقوم بها المحافظ تبتدئ حين تمر فترة شهر التي تمنح لطالب التحفيظ من أجل رفع التعرض دون أن يثبت رفعه له، ففي هذه الحالة  فالمحافظ لا يبقى له إلا حل واحد قبل أن يبعث ملف التحفيظ إلى القضاء.
      وما تجدر الإشارة إليه أن عدم قيام المحافظ بدعوة أطراف النزاع الى الصلح ، لا يعني إخلالا بواجبه ذلك أن مبادرة الصلح التي يقوم بها ترجع إلى سلطته التقديرية فإذا ما ظهر له تشعب النزاع أو عدم جدوى دعوى الصلح أو أن النزاع يتطلب تحفظ قضائيا بالنظر لجسامة الحقوق المتنازع عليها أو تداخل المتعرضين وطلاب التحفيظ، فلا لوم عليه إذا لم يبادر إلى دعوتهما للصلح[1] كما ان الصلح قد تأتي من طرف الخصوم أنفسهم أي طالب التحفيظ أو المتعرض إذا رغبوا بالمبادرة التي ستجد استجابة  من المحافظ العقاري وتشجيعه ويجوز أيضا للغير التدخل لإقامة هذا الصلح أو تهييء الجو المناسب لإبرامه.
لكن ما يلاحظ على أرض الواقع أن أغلب محاولات الصلح التي أجريت أمام الوكالات العقارية كانت بمبادرة من أطراف النزاع  ذلك أن المحافظين حسب تصريحاتهم يبتعدون عن الدخول في حوار قد يكون غير بناء بين الأطراف لأنه غالبا ما تكون هناك نزعة بين طالب التحفيظ والمتعرضين وكل منهم يكون عازما بالفوز على الآخر، ولهذا يفضل أغلب المحافظين ترك الكلمة للقضاء خير لهم من ،إقحامهم فيما هو مستبعد.
عموما فسواء أتت مبادرة الصلح من طرف المحافظ أو طالب التحفيظ أو المعترض أو الغير فعندما يبادر المحافظ إلى اجراء هذا الصلح يقوم باستدعاء من يهمهم الأمر إلى جلسة صلاحية بمكتبة حيث ينبغي ان يبدل غاية جهده قصد التوفيق بينهما وإن اقتضى الحال التوجه مع الطرفين إلى عين  المكان لدراسته بكيفية أوفر وأبلغ أن يتحمل أية مصاريف.
فإذا نجح المحافظ في مساعيه فإنه يحرر محضرا يوقع عليه الجميع صاحب المطلب ومقدم التعرض عليه والمحافظ ثم يسجل العقار بعد ذلك في المحافظة طبقا لذلك الصلح المدون في المحضر المذكور الذي يحتفظ فيه لكل ذي حق حقه.
 ومما تجدر الإشارة إليه كذلك أنه يشترط لقبول الصلح بين الطرفين وتسجيل العقار طبقا له أن تكون مسطرة التحفيظ مازالت جارية أمام المحافظ العقاري، وكل الوثائق باقية بين يديه لكن ومع ذلك يبقى للمحافظ بعد انتهاء كل إجراء يتعلق بالتحفيظ بما في ذلك المسطرة القضائية أن يقبل ويسجل ما تصالح عليه الطرفان ولو بعد الحكم لبعضهما كما لا يقبل من أي طرف من أطراف النزاع الرجوع عن الصلح مادام له قوة الالتزام طبقا للقاعدة الفقهية التي تقضي بعدم قبول التراجع بعد الصلح لأنه رجوع للخصومة وهو أمر مرفوض فقها وشرعا.
كما يمكن للمحافظ القيام بإبرام الصلح حتى أثناء عملية التحديد وذلك على اعتبار أن هذا الأخير أو نائب عنه هو الذي يقوم بتسيير عمليات التحديد بمساعدة ومشاركة مهندس محلف من مصلحة المسح والتصميم.



[1] محمد جمعة الزريفي، محضر الصلح بين طالب التحفيظ والمتعرض مجلة التحفيظ العقاري العدد الثاني أبريل 1989 ص 72.

التالي
رسالة أحدث
السابق
هذا هو أقدم مقال