إعلان الرئيسية العرض كامل

أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة

 أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة

 أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة  أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة     أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة    أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة

 أحكام الخطبة والزواج بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة



     الأسرة في نظر الإسلام عبارة عن كيان مقدس، ولبنة أساسية لبناء المجتمع الإنساني السليم، ولهذا أعطى لبنائها عناية فائقة، وأحاط إنشاءها بأحكام تكفل أن يكون هذا البناء متماسكا قويا.


وقد جعل الإسلام الزواج مفتاحا لتكوين هذه الخلية، واعتبره الأسلوب الوحيد للتكاثر وبقاء النوع الإنساني.

    أولا: الخطبـــة

سأتناول في هذه النقطة تعريف الخطبة وتحديد شروطها ثم انقضاء الخطبة وآثارها

    تعريف الخطبة في الفقه:" هي التماس الرجل النكاح من امرأة تحل له شرعا"[1]
وعرفتها مدونة الأسرة بما يلي: "الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج "
تتحقق الخطبة بتعبير طرفيها بأي وسيلة تفيد التواعد على الزواج ويدخل في حكمها قراءة الفاتحة وما جرت به العادة والعرف من تبادل الهدايا".[2]  فالخطبة على هذا المنوال مجرد وعد غير ملزم بالزواج[3]  وقد عبرت المدونة على الخطبة "بالتواعد"  بدل "والوعد" كما كان منصوصا على ذلك في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة،  مما يعني إقرار المساواة بين الطرفين، وبهذه الصيغة الجديدة "تواعد" يكون الرجل خاطبا ومخطوبا في نفس الوقت، والمرأة خاطبا ومخطوبا في نفس الوقت.[4]
     ثم إن مسألة اختيار الزوجة، تفترض من جهة الخضوع لضوابط شرعية معينة وهو ما سنتطرق إليه في النقطة{أ}، ومن جهة أخرى فهي مسألة شخصية ترجع للصفات التي يميل إليها كل من الزوجين للآخر وهو ما سنتطرق إليه في النقطة {ب}

أ:  الشروط الواجب مراعاتها في المخطوبة:

1 انتفاء الموانع الشرعية:
_ الموانع المؤبدة:
إن توفرت موانع شرعية، كأن تكون الخطيبة محرمة عليه بسبب من أسباب التحريم المؤبدة  كالرضاع والقرابة والمصاهرة  مما نصت عليه الآية الكريمة :" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا"
أما إن كانت من المحرمات حرمة مؤقتة وزال المانع كأن يمر العدة على الزوجة المطلقة من طلاق بائن، فهاته يجوز خطبتها، أو أن تسلم المشركة.[5]
_ كما لا يجوز خطبة المرأة المعتدة من طلاق رجعي لا تعريضا ولا تصريحا لأن المطلق يملك إرجاع زوجته من دون عقد جديد، قال الله تعالى: "وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا"[6]
_ إضافة إلى أنه لا يجوز خطبة المرأة المطلقة طلاقا بائنا، لا تعريضا ولا تصريحا حتى تنتهي فترة العدة.
_ وكذا لا يجوز خطبة المرأة المعتدة من وفاة إلا تعريضا، قال الله تعالى: " ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء"[7]
_ أن لا تكون في عصمة زوج آخر.
وقد أشارت  مدونة الأسرة كذلك إلى الموانع المؤبدة بموجب المواد التالية: المادة 36  بخصوص مانع القرابة والمادة 37 بخصوص مانع المصاهرة والمادة 38 بخصوص مانع الرضاع .أما المؤقتة فقد نصت عليها المادة 39[8]
2 أن لا تكون مخطوبة من قبل:
إذا خطب رجل امرأة معينة، ورضيت بهذه الخطبة فلا يجوز لغيره من الأشخاص أن يخطبها ما دامت الخطبة قائمة، والأصل الذي بني عليه هذا الحكم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: " المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، أو يخطب على خطبته حتى يذر".[9]

ب: الشروط المندوب توفرها في الخطيبين:

1} في المخطوبة:
    من الأسس التي وضعها الإسلام لبناء أسرة قوية ومتماسكة، حسن اختيار كل من الزوجين شريك حياته. فالزواج قضية اجتماعية كبرى، وما ينشأ عن سوء الاختيار من عواقب لا تحمد عقباها، من شقاق ونزاع وانشطار للأسرة ، لذلك تعد عملية الاختيار أهم مرحلة في تكوين الأسرة.
ومن السمات المندوب توفرها في المخطوبة ما يلي:
ـ التدين :
لقوله صلى الله عليه و سلم” تنكح المرأة لمالها و لجمالها و لدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"الترميذي
وقال صلى الله عليه و سلم “لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن،و لا تتزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن هن يطغيهن، و لكن تزوجوهن على الدين و لا امة خرقاء ذات دين أفضل” سنن الدارقطني .
وهذا لا يعني أن يختار الرجل امرأة ذميمة المنظر قبيحة الصورة، بل الأفضل أن تكون جميلة متحلية بالخلق، ثم إن جمال المرأة مما يعف زوجها و يجعله لا يتطلع إلى غيرها أبدا. قال النبي صلى الله عليه وسلم : " خير النساء أحسنهن وجوها، وأرخصهن مهورا
ـ أن تكون من البعيدات:
يستحب التزوج من البعيدات لأسباب كثيرة نذكر منها:
أولا :التزوج من القريبات يؤدي إلى ظهور بعض الأمراض الوراثية.
ثانيا: المشاكل التي قد تحدث بين الطرفين وقد تؤدي إلى قطع صلة الرحم بين الأسرتين و هذا منهي عنه شرعا، قال الغزالي: وذلك للوقاية من الشحناء والخصومة لأصحاب القرابة القريبة جدا، فصلتهم بالأسرة موجودة، وهم ليسوا في حاجة إلى ربط بينهما. وقد توشك القرابة على الافتراق، فيتحقق بالزواج نسب وقرب ومودة كأبناء العم وأبناء الخال.[10]
ـ أن تكون بكرا ولودالقوله صلى الله عليه و سلم”أتزوجت يا جابر، بكرا تلاعبها و تلاعبك”  و لقوله صلى الله عليه و سلم لما خطب رجل امرأة عقيما فقال لرسول الله إني خطبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد فنهاه رسول الله وقال: ”تزوجوا الودود الولود فاني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة .[11]
2} في الخاطب:
   ينبغي على المرأة أن تتحرى الصفات الرفيعة في الرجل، وتقف على أخلاقه ودينه أولا، وتعرف طباعه وأفكاره واتجاهاته قبل إبرام عقد الزواج، لئلا تقع في هوة سحيقة ما لها من قرار، وقد ألمح الرسول عليه الصلاة والسلام  إلى بعض الصفات الشريفة التي ينبغي أن تتوفر في الرجل والتي منها :
_ أن يكون متدينا تقيا.
_ أن يكون ندي الكف بعيدا عن البخل والشح.
_  أن يكون أبواه مؤمنين.
_ أن يكون بارا بوالديه.
_ أن يكون قادرا على الإنفاق[12]

انقضاء الخطبة من غير زواج ومشاكله القانونية :

بالرجوع إلى نص المادة 13 من مدونة الأسرة والتي جاء نص مضمونها قائلا بما يلي : { يعتبر الطرفان في فترة خطبة إلى حين الإشهاد على عقد الزواج ولكل من الطرفين العدول عنها }. فمن خلال نص المادة 13 ، يمكن أن نستنتج بأن الخطبة تنقضي عادة بمجرد تحقق الغرض الأساسي المتوخات منها ، والمتمثل في إبرام عقد الزواج . وإما أن تنقضي بعدول احدهما عنها سواء من جهة الخاطب أو المخطوبة أو تقابلهما 13 هذا من جهة ومن جهة أخرى يعتبر الحق في العدول عن الخطبة من القواعد التي تتصل بالنظام العام ، بحيث لا يمكن النزول عنها أو الاتفاق بين طرفي علاقة الخطوبة على عدم العدول مهما كانت الأسباب بالنسبة للطرفين على حد سواء .
لكن الإشكالات القانونية تطرح بخصوص الخطبة المنتهية من غير زواج سواء فيما يتعلق بمصير المهر والتي يقدمها خصوصا الخاطب لمخطوبته ( أ ) . وبإمكانية التعويض المدني عن قسم الخطبة الذي يتم بإرادة احد الخطيبين المنفردة ، في إطار الأحكام العامة للمسؤولية المدنية .

أ_ مصير الصداق والهدايا : 

هذه المسالة تطرح التساؤل التالي : ما مصير و أثر عدول أحد الطرفين أو كلاهما عن الخطبة في ما تم تقديمه من مهر وهدايا ؟ كما هو معلوم فان الصداق شرط لصحة الزواج على ما أكده المشرع في المادة 13 من المدونة الجديدة ، وقد حدث بخصوصه أن يقدمه الخاطب للمخطوبة ، كله أو جزء منه ، قبل إبرام عقد الزواج لأسباب ظهرت له، أو الاتفاق تم بين الطرفين ، أو لاشتراطه من قبل المخطوبة .

هذا الحدث قننته المادة 9 من مدونة الأسرة عندما أعدت على انه : { إذا قدم الخاطب الصداق أو جزءا منه ، وحدث عدول عن الخطبة أو مات احد الطرفين أثناءها ، فللخاطب أو لورثته استرداد ما سلم إذا لم ترغب المخطوبة في أداء المبلغ الذي حول إلى جهاز ، تحمل المتسبب في العدول ما قد ينتج عن ذلك من خسارة بين قيمة الجهاز والمبلغ المؤدى فيه }. 
فعدم الاحتفاظ بالمهر من قبل المرأة في مرحلة الخطبة هو تطبيق مبدأ "عدم الإثراء بلا سبب"، ما لم يتنازل عنه الخاطب عن طيب خاطر، دون ضغط أو إكراه . 


أما فيما يتعلق بالهدايا 

 فان الحكم المقرر بالنسبة للصداق يعكس الحكم المقرر بالنسبة للهدايا من خلال نصوص القانون المنضم للأسرة سواء مدونة الأحوال الشخصية الملغاة في فصلها الثالث الذي ينص على انه : " لكل من الخاطب والمخطوبة العدول عن الخطبة ، وللخاطب أن يسترد الهدايا إلا إذا كان العدول عن الخطبة من قبله ، وقد سارت مدونة الأسرة بدورها في نفس الاتجاه ، من خلال المادة 8 كما يلي : { لكل من الخاطب والمخطوبة أن يسترد ما قدمه من هدايا ، مالم يكن العدول من قبله ، وترد الهدايا بعينها أو بقيمتها حسب الأحوال }
قد يتصور في هذه الحالة أيضا أن تنكر الخاطبة، بأنها توصلت بالهدية التي يدعيها الخاطب، وفي هذه الحالة تطبق قاعدة " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر "
ونستعرض في هذا المقام قضية في نفس المشكل القانوني المدروس وتتلخص وقائعها فيما يلي :
خطب السيد ـ ع.زـ الآنسة ـ خ.ف ـ من عائلتها قصد الزواج بها ، واستجابت الفتاة لهذه الخطبة التي أعلنت وذاع أمرها بين الناس. وفي أثناء فترة الخطبة تبرع الخاطب على مخطوبته بقطعة أرضية مساحتها عشرة هكتارات وهي من أجود البقعة باسمها في السجل العقاري . وبعد ذلك عمدت الفتاة المخطوبة إلى الزواج من رجل آخر غير المتبرع . رفع الخاطب الأول دعوى على المتبرع إليها خ .ف يطلب من خلالها من القضاء الحكم له برجوعه فيما سبق له آن تبرع به ، واستند في دعواه على مقتضيات الفصل الثالث من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة .

وقد حكم القضاء المغربي في هذه النازلة بأحقية الخاطب في استرجاعه لهديته عند ما تبين له أن ما قامت به المخطوبة هو عمل مشوب بسوء نية ، واستخلص من ذلك أن العدول كان من جانبها وليس من جانبه 15. 
تبقى الإشارة إلى أن أحكام الهدايا في الخطبة من غير أحكام الهدايا بعد إبرام عقد الزواج ، فالحالة الأخيرة أي حكم الهدايا أثناء سريان عقد الزواج لم تنظم أحكامه مدونة الأسرة الجديدة كما هو الشأن بالنسبة للهدايا أثناء الخطبة ، وما دام المشرع في المدونة الجديدة للأسرة عالج مسالة عدم ورود حكم بمسالة المالكي إذا ما اعتمدنا على المادة 400 من مدونة الأسرة . وهو ما يحتم علينا معرفة حكم المذهب وأقواله في هذه المسالة .

ب – التعويض في حالة عن العدول عن الخطبة :

كثيرا ما يصاحب العدول عن الخطبة من احد الخطيبين ضرر يلحق بأحدهما قد يعون ماديا ( كان يخطب رجل امرأة موظفة ثم تتخلى عن وظيفتها بطلب منه ) ، كما أن الضرر قد يكون معنويا ( كاهانة الخاطب للمخطوبة أو اتهامها له بما يمس الشعور والكرامة كالطعن في العرض وفي أخلاق العائلة ). ويكون نوع هذا الضرر حالا ومباشرا ، لهذا الاعتبار وقع التساؤل من الناحية الفقهية حول ما مدى إمكانية رفع دعوى التعويض من طرف المتضرر من الطرفين إطار المبادئ العامة للمسؤولية المدنية التي تمنع كقاعدة عامة الأضرار بالغير بدون وجه حق.

ثانيـــــــــــا: الــــــــــزواج

     يعتبر الزواج من الأمور الفطرية في جميع المخلوقات الحية، وهو من سنن الله في خلقه، قال تعالى: " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ".
وقوله تعالى:" الذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً" سورة: النساء، الآية:1
وقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" 
ويقصد بالزواج ﻋند ﺍﻟﻤﺎلكية: ﻋﻘﺩ ﻋﻠﻰ ﻤﺠرد متعة ﺍﻟﺘﻠﺫﺫ ﺒﺂﺩمية ﻏﻴﺭ ﻤﻭجب ﻗﻴﻤﺘها ﺒﺒﻴﻨﺔ ﻗبله، ﻏﻴﺭ ﻋﺎﻟﻡ ﻋﺎﻗﺩﻩ ﺤﺭﻤﺘها، ﺇﻥ ﺤﺭﻤﻬﺎ ﺍﻟﻜﺘاب ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺸﻬﻭر أو ﺍﻹﺠﻤاﻉ ﻋﻠﻰ ﺍﻵخر.
وعرفه ﺍﻟﺤﻨﻔﻴﺔ بما يلي : " هوﻋﻘﺩ ﻴﻔيد ﻤﻠﻙ ﺍلمتعة ( أي حل ﺍﺴﺘﻤﺘﺎﻉ ﺍﻟﺭﺠل من ﺍﻤﺭﺃﺓ) لم ﻴﻤنع ﻤـﻥ ﻨﻜﺎﺤها ﻤﺎنع ﺸﺭعي .[15]
وهذه التعريفات للفقهاء القدامى ترتكز في غالبها على إباحة حل المتعة وتتجاهل سمات الزواج وخصائصه التي جاء بها القرآن الكريم.
   وقد تنبه إلى هذا الأمر من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد أبو الزهرة حيث عرف الزواج بأنه: عقد يفيد حل العشرة بين الرجل والمرأة وتعاونهما ويحدد ما لكليهما من حقوق وما عليهما من واجبات.[16]
   أما  مدونة الأسرة فقد عرفت الزواج بكونه: " ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا للأحكام المدونة"[17]
ومن هذا المنطلق فإن الإسلام يعتبر الأسرة علاقة زوجية مكونة من ذكر وأنثى، مبنية على أسس المودة والرحمة والإحسان، لا كما يتصورها بعض المنحرفين فكريا من أنها يمكن ان تتكون من فرد واحد نحو ما يطلق عليه" الأم العازبة" حول هذه القضية يقول الشيخ يوسف القرضاوي : إن موجة الإباحية التي قذفت بها الحضارة المعاصرة، هي التي أدت إلى ظهور أمهات غير متزوجات، وذلك نتيجة انتشار الزنى، وحمل النساء من الحرام، وهو الذي حرم الأبناء والبنات من آبائهن الحقيقيين، الآباء الجبناء الذين تمتعوا بالشهوة المحرمة ساعة من الزمن، ثم فروا من المسؤولية، وتركوا المرأة المسكينة تحمل العبء وحدها، وهو فرع لكل منهما، وثمرة لهما معا [18]، أو أن تتكون من فردين من نفس الجنس بما يطلق عليه {زواج المثليين}، هذا الفعل الذي تأباه الفطرة السليمة ووصفته الشريعة الغراء بالفاحشة، قال الله تعالى: " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون "[19] وقد أخبرنا القرآن الكريم عاقبة إسرافهم في هذه الفاحشة العظيمة فقال سبحانه: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لسبيل مقيم"[20] .
وتجدر الإشارة إلى أن فقهاء المذاهب اختلفوا في تحديد أركان الزواج ، فمن اتجه إلى أن أركانه هي العاقدان والصيغة والولي، اكتفى بتعداد الأركان بعيدا عن إيراد شروط الإنعقاد ومن هؤلاء فقهاء الشافعية والمالكية والحنابلة.
ومن قال بأن الركن هو الصيغة: الإيجاب والقبول_ وهم الحنفية، جعل العاقدين والمعقود عليه من الأمور الأساسية في العقد.
ونحن في حديثنا عن موضوع الزواج سنتطرق  إلى الأركان التي يقوم عليها في النقطة {أ} وبعد إبرام عقد الزواج تترتب على كلا الزوجين عدة آثار وهو ما سنتناوله في النقطة {ب}:

أ_ أركان الزواج في الفقه الإسلامي:
الركن لغة:
    جاء في لسان العرب ركن الشيئ: جانبه الأقوى، والركن: الناحية الأقوى والجمع أركان.[21]
وفي الاصطلاح:
 ما كان جزء من الشيئ ولا يوجد ذلك الشيئ إلا به كالركوع والسجود بالنسبة للصلاة.[22]
وقد اختلف الفقهاء بخصوص هذه الأركان إلى ما يلي:
_ فقد ذهب الشافعية إلى أن أركان الزواج هي: {الزوج والزوجة والولي والصيغة والشاهدان}[23]
_أما المالكية فقد اعتبروا أركان الزواج أربعة وهي: {الزوج والزوجة والصيغة والمهر والولي}[24]
_ أما الحنفية فقد اعتبروا أركان الزواج مكونة من الصيغة فقط والمتمثلة أساسا في{ الإيجاب والقبول}.
ونحن  في دراستنا لهذه الأركان سنتطرق لموقف المالكية في تعدادها وهي: الزوج والزوجة والصيغة والمهر والولي.
_الركن الأول: الزوج والزوجة
   يشترط الفقه الإسلامي شروطا لا بد من توافرها في الزوج والزوجة وهي:
° شروط الزوج:
_ الإسلام : قال تعالى: " ولا تنكحوا المشركين حتى يومنوا".
_البلوغ: تتحقق أهلية الزواج ببلوغ الفتى والفتاة مرحلة الزواج مع تمام العقل، ويعتبر البلوغ مسألة أساسية في الشريعة الإسلامية، لأن غير البالغ لا يستطيع تحمل المسؤولية التي تتطلبها إقامة أسرة على أسس متينة.أما إذا لم تظهر علامات البلوغ، فإن أقصى حد عند المالكية: أن يبلغ كل من الذكر والأنثى ثماني عشرة سنة، واكتفى الحنفية ب سبعة عشر سنة.[25]
وقد اتجه القانون المنظم للأسرة إلى توحيد سن الزواج بين الرجل والمرأة في سن 18 السنة، وذلك بموجب المادة 19.[26]
مع وضعها استثناءين بخصوص زواج القاصر الذي لم يبلغ سن الرشد القانوني [27]، وكذا زواج المصاب بإعاقة ذهنية والذي نصت على هذا الأخير المادة 23.
_ أن لا يكون متزوجا بأربع نسوة، قال الله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع"[28]
_ أن يكون ذكرا يقينا، فلا يصح زواج الخنثى.[29]
_  أن يكون الزوج غير محرم بحج أو عمرة.
_ أن يكون مختارا لا مكرها.
_ أن يعلم حل المرأة التي يريد أن يعقد بها، ويعلم اسمها ونسبها.
_ عدم المرض المخوف عند المالكية.[30]
° شروط  الزوجة:
_  أن تكون مسلمة أو كتابية حرة.
_ أن تكون بالغة.
 _ أن لا تكون محرمة بحج أو عمرة.
_ أن تكون معينة.
_ أن تكون غير متزوجة وغير معتدة من غيره.
_ أن تكون أنوثتها متيقنة، بأن لا تكون خنثى.
_ عدم وجود مرض مخوف عند المالكية.
_ أن لا تكون محرمة عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة.[31]
أما المدونة فقد اعتبرت أركان الزواج مشتملة على الصيغة المتمثلة في الإيجاب والقبول وذلك حسب ما يفهم من نص المادة العاشرة التي جاء فيها : " ينعقد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الطرف الآخر بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا .....ومن الشاهدين".
الركن الثاني: الولي
   يقصد بالولاية في الزواج: حق منحته الشريعة الإسلامية لبعض الناس، يملك به صاحبه تنفيذ قول أو إمضاءه على غيره من غير توقف على رضاه.[32]
وتعرف كذلك بأنها:  سلطة شرعية يتمكن بها الولي شرعا من مباشرة العقود ﻭﺘﺭﺘﻴﺏ ﺃﺤﻜﺎﻤﻬﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻤﻥ ﻏﻴﺭ ﺘﻭﻗﻑ ﻋﻠﻰ ﺭﻀﺎ ﺃﺤﺩ.[33]
وتنقسم الولاية إلى قسمين: قاصرة وتامة
فالولاية القاصرة: هي ولاية  ﺍﻟﺸﺨﺹ ﻋﻠﻰ ﻨﻔﺴﻪ ﻭﻫﻲ ﻻ ﺘﻨﻔﻙ ﻋﻥ ﺃﻫﻠﻴﺔ ﺍﻷﺩﺍﺀ، فمن ﺘﺜﺒﺕ ﻟﻪ ﺃﻫﻠﻴﺔ ﺍﻷﺩﺍﺀ ﺍﻟﻜﺎﻤﻠﺔ ﻜﺎﻨﺕ ﻟﻪ ﻭﻻﻴﺔ  ﻗﺎﺼﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﻨﻔﺴﻪ، ﻭﻤﻥ ﺍنتقلت عنه لم يكن ﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻨﻔﺴﻪ ﻭﻻية.
وولاية تامة: وهي التي تخول للإنسان  ﻓﻀ ﻼ ﻋﻥ ﺍﻟﺘﺼﺭﻑ ﻓﻲ ﺸﺌﻭﻥ ﻨﻔسه  التصرﻑ ﻓﻲ ﺸﺌﻭﻥ ﻏﻴﺭﻩ ولو جبرا عن ذلك الغير.[34]
وقد اتفق العلماء على أن المرأة الحرة البالغة إذا عقد وليها نكاحها، أو وكل غيره في ذا العقد، يكون نكاحها صحيحا ونافذا إذا رضيت به.
    أما إن باشرت المرأة العقد بنفسها أو قامت بالوكالة عن غيرها أو وكلت غير وليها، فهنا موضع الخلاف في صحة هذا النكاح ونفاذه.
    يذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى عدم صحة عقد المرأة الزواج بنفسها،وذلك بالإستناد إلى مجموعة من الأدلة منها: ما جاء في الحديث : قال صلى الله عليه وسلم:"لا نكاح إلا بولي أو ذي محرم. رواه أبو داود
وما ورد في صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم"  الثيب أحق بنفسها من وليها ,والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها " .
فيما يذهب الحنفية إلى صحة زواج المرأة بنفسها ﺒﻌﺒﺎﺭﺓ ﺍﻟﻤﺭﺃﺓ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﺍﻟﻌﺎﻗﻠﺔ ﻤﻁﻠﻘ ﺎ، ﺒﺎﻷﺼﺎﻟﺔ أو النيابة ﻭﺃﻥ ﻟﻬﺎ ﺃﻥ ﺘﻭﻜل ﻏﻴﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﻤﺒﺎﺸﺭﺓ ﺍﻟﻌﻘﺩ ﺴﻭﺍﺀ ﻜﺎﻨـﺕ ﺒﻜـﺭﺍ ﺃﻡ ﺜﻴﺒـا، حصلت على إذن من الموﻟﻰ ﺃﻭ ﻟﻡ ﺘﺤﺼل، ﻭﺴﻭﺍﺀ ﻜﺎﻥ ﺯﻭﺍﺠﻬﺎ ﻤﻥ ﻜﻑء أو غير كفء.[35]
وتجدر الإشارة إلى أن مدونة الأسرة قد سايرت هذا الرأي الأخير، حيث اعتبرت الولاية حق للمرأة تمارسه حسب رغبتها واختيارها وأدرجته ضمن شروط صحة الزواج، ولم تعتد به ركنا في العقد وذلك بموجب المادة 24 من مدونة الأسرة التي جاء فيها" الولاية: حق للمرأة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها" وبذلك فقد جنحت المدونة الى راي المذهب الحنفي في مسالة الولاية.

الركن الثالث: الصيغة
    يقصد بالصيغة: اللفظ الدال على حصول النكاح وتحققه إيجابا وقبولا.[36]
والإيجاب هو: التعبير الصادر عن أحد المتعاقدين للدلالة على إنفراد إرادته بإنشاء العقد{ويسمى الطرف الذي صدر عنه الإيجاب موجبا}
والقبول: هو ما يصدر عن الطرف الثاني للدلالة على انفراد إرادته بما أوجبه الطرف الأول.
{ويسمى الطرف الذي صدر عنه القبول قابلا}[37]
وبخصوص صيغة اللفظ الذي يصدر به القبول فقد اختلف فيه العلماء:
_ فقد اتفق الفقهاء على انعقاده بصيغة الفعل الماضي كأن يقول الولي زوجتك ابنتي فلانة على مهر كذا، فينعقد من دون توقف على نية أو قرينة.[38]
_ وأما انعقاده بصيغة المضارع، بأن يقول العاقد أتزوجك على مهر قدره كذا، فقالت أقبل أو أرضى، صح العقد عند الحنفية والمالكية، إذا كانت هناك قرينة تدل على إرادة إنشاء العقد في الحال، لا الوعد في المستقبل. ولا ينعقد بصيغة المضارع عند الشافعية والحنابلة.[39]
وينعقد الزواج من الأخرس والعاجز عن النطق بالإشارة المعلومة، كما ينعقد بكتابته.
وفي مدونة الأسرة نصت المادة 10: على ما يلي: "ينعقد الزواج بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر ، بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا. يصح الإيجاب والقبول من العاجز عن النطق بالكتابة إن كان يكتب، وإلا فبإشارته المفهومة من الطرف الآخر ومن الشاهدين ".
الركن الرابع: الصداق
     الصداق لغة: أصدقت المرأة وأمهرت المرأة من باب نفع أعطيتها المهر.[40]
واصطلاحا : هو المال الذي يجب على الزوج في عقد النكاح في مقابلة منافع البضع، إما بالتسمية أو بالعقد,[41]
    وقد ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن المهر حكم من أحكام العقد وأثره من آثاره، وليس ركنا من أركانه.[42]
وذهب بعض فقهاء المالكية إلى إعتبار المهر ركنا من أركان عقد الزواج، وذلك لعدم صحته إذا اتفق الزوجان على إسقاط المهر، لأنهما لو اتفقا على إسقاطه فهو نكاح فاسد.[43]
ومن أدلة مشروعية الصداق من القرآن الكريم قوله تعالى : " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة"[44]
ومن السنة النبوية: ما رواه البخاري أن رسول الله قال لرجل "إلتمس ولو خاتما من حديد"
ب:آثار قيام الزوجية:

     تقتضى دراسة آثار الزواج الصحيح أي الذي استكمل شروطه و أركانه وانتفت فيه الموانع الشرعية , الحديث عما ينتج عنه من واجبات وحقوق فيما يخص الزوجين بعضهما البعض، وبينهما وبين الأبناء وبين الأقارب .
  وبذلك سيكون حديثنا في هذه النقطة عن آثار الزواج بالنسبة للزوجين(المسألة الأولى) ثم أثره بالنسبة للأطفال والأقارب (المسألة الثانية) .


المسألة الأولى: آثار الزواج بالنسبة للزوجين:     تترتب على العلاقة الزوجية مجموعة من الحقوق و الواجبات، ومن هذه الحقوق: حقوق متعلقة بالزوجة على زوجها وحقوق الزوج على زوجته، وحقوق مشتركة بينهما .
1: حقوق الزوجة على زوجها
   قسم  فقهاء الإسلام حقوق الزوجة  المترتبة  على عقد الزواج إلى نوعين: مالية وغير مالية، فالحقوق المالية متمثلة في الصداق والنفقة . قال الله تعالى:" وآتوا النساء صدقاتهن نحلة"
والإسلام شرع النفقات، وحدَّد على مَن تجب عليهم، وألزمهم بها تقربًا إلى الله - تعالى - فإذ لم يستجيبوا تكون قضاءً عليهم، والقضاء لا فكاكَ من أحكامه.
عن المقدام بن مَعْدِي كَرب الزبيدي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما كسب الرجل كسبًا أطيب من عمل يده، وما أنفق الرجلُ على نفسِه وأهله وولده وخادمه، فهو صدقة[45].
حدثنا شعبة قال: أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت عبدالله بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا أنفق الرجل على أهلِه يحتسبُها، فهو له صدقة))؛[46]
ويتحقَّق المفهوم إذا احتسب كلٌّ من الرجل والمرأة الأجرَ والثواب من عند الله.
وقوله: " ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" ومن حقوق الزوجة أيضا حسن معاشرتها وعدم الإضرار بها قال تعالى:" وعاشروهن بالمعروف" كما يحق لها زيارة أهلها وان تستقبله في بيت زوجها وهذا الحق قد منحه الله تعالى لها فان لم تفعل قطعت رحمها [47]
2:حقوق الزوج على زوجته

من هذه الحقوق حق الطاعة و حق التأديب
- حق الطاعة : وذلك بامتثال أوامره والانتهاء عما ينهى عنه {وذلك فيما يوافق الشريعة لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق } فان لم تستجب فستصبح ناشرة، ولعل الحكمة فيما نحسب هي أن الإسلام لاحظ الأسرة باعتبارها النواة الأولى في تكوين المجتمع ولا ينتظم أمرها ويستقيم حالها إلا إذا كان لها زعيم يدبر لها أمرها .
   وقد أعلن القران قوامة الرجل قال سبحانه وتعالى:" الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا "[48]
   يقول الأستاذ محمود العقاد: فحق القوامة مستمد من التفوق الطبيعي في استعداد الرجل , ومن استعداده بالنهوض بأعباء مجتمعه وتكاليف الحياة البيتية فهو أقدر من المرأة على كفاح الحياة ولو كانت مثله في القدرة العقلية و الجسدية , لأنها تنصرف عن هذا الكفاح قصرا في فترة الحمل و الرضاعة و هو الكفيل بتدبير معاشها وتوفير الوقت لها في المنزل لتربية الأبناء وتسيير أسباب الراحة و الطمأنينة لبيته [49]
   ويقول الدكتور محمد عمارة: القوامة: عبارة عن مسئولية وتكاليف للرجل ، مصاحبة لمساواة النساء بالرجال.. وبعبارة الإمام محمد عبده: " إنها تفرض على المرأة شيئاً وعلى الرجل أشياء." [50]
- حق التأديب:
    في الحال التي يكون أساس الخلاف من الزوجة بسبب تمردها يجوز للزوج أن يقوم خطأ امرأته كما نصت عليه الآية " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع و اضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " النساء 34
    فالآية تنص على أن الرجل إذا أنس من امرأته ما يخشى أن يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية، فعليه أن يبدأ أولا بالوعظ، حتى إذا لم ينفع عمل بعقوبة الهجر في المضجع، والحكمة من الهجر، قال العقاد: أنها عقوبة نفسية تمس المرأة في الصميم، لا أنها حرمان مؤقت من لذة الجسد، لكنها لا تأنس لذلك ما دامت فاتنة له، وقادرة على تعويض ضعفها بما تبعثه فيه من شوق إليها، فليكن له ما شاء من القوة، فلها ما شاءت من سحر وفتنة، وعزاؤها الأكبر عن ضعفها، أن فتنتها لا تقاوم، فإذا قاربت الرجل مضاجعة له، وهي في أشد حالاتها إغراء  ثم لم يبال بها، ولم يبال بسحرها، فما الذي يقع في وقرها، يقع في وقرها أن تشك في أهمية أنوثتها، وهي إلى جانبه لا تملك إلا أن ترجع إلا تتوب إلى التسليم، لأن هذه العقوبة إبطال للعصيان، وإذا لم ينجح الهجر يأتي مرحلة الضرب غير المبرح.[51]

المسألة الثانية: حقوق الزوجين المتبادلة على الأبناء والأقارب:

_على الأبناء:

    تحمل مسؤولية رعاية الأبناء قضية مشتركة بين الزوجين معا فالزوجة تمنحهم الحنان و العطف و التغذية بإرضاعه و الأب يمنحهم العطف و ينفق عليهم من ملبس وغذاء وتوفير حاجيات العيش الكريم كالدراسة و الطبيب و المسكن و الحماية و الاستجمام وغير ذالك مما تستلزمه رعاية الأبناء لقوله صلى الله عليه وسلم :"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته .... والرجل راع على أهل بيته . و المرأة راعية على بيتها وولدها".
وقد أشارت المادة 54 لحقوق الأطفال على أبويهما كما يلي:
للأطفال على أبويهم الحقوق التالية:
1- حماية حياتهم وصحتهم منذ الحمل إلى حين بلوغ سن الرشد؛
2- العمل على تثبيت هويتهم والحفاظ عليها خاصة، بالنسبة للاسم والجنسية والتسجيل في الحالة المدنية؛
3- النسب والحضانة والنفقة طبقا لأحكام الكتاب الثالث من هذه المدونة؛
4- إرضاع الأم لأولادها عند الاستطاعة؛
5- اتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال بالحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم وقاية وعلاجا؛
6- التوجيه الديني والتربية على السلوك القويم وقيم النبل المؤدية إلى الصدق في القول والعمل، واجتناب العنف المفضي إلى الإضرار الجسدي، والمعنوي، والحرص على الوقاية من كل استغلال يضر بمصالح الطفل؛

2 حقوق الزوجين تجاه الأقارب:
لقد حثت الشريعة الإسلامية الأبناء على الإحسان الى الوالدين وحسن رعايتهم قال تعالى :"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا"[52]
وذلك لما بذلوه من مجهودات وشقاء في سبيلهما .
   وبعد قيام الزوجية، تنشأ علاقة  قرابة بين أهل الزوجين، مما ينتج عن هذه العلاقة من حقوق على كلا الجانبين، ومن جملة هذه الحقوق، حق زيارتهم المستمرة واستزارتهم مع حسن ضيافتهم.
وفي  حالة الامتناع عن ذلك بقطع،  للرحم الذي أوصى بوصله  الله تعالى في قوله: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"
وقد أشارت مدونة الأسرة في إطار توجهها الجديد المتعلق بالمساواة بين الزوجين على حقوق متبادلة{مشتركة} بين الزوجين لا غير ، وألغت التمييز بين هذه الحقوق التي رتبها الفقه ومدونة الأحوال الشخصية الملغاة[53].
وذلك بموجب المادة 51 التي نصت على ما يلي:
1- المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشرة زوجية وعدل وتسوية عند التعدد، وإحصان كل منهما وإخلاصه للآخر، بلزوم العفة وصيانة العرض والنسل؛
2- المعاشرة بالمعروف، وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة؛
3- تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت والأطفال؛
4- التشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤون الأسرة والأطفال وتنظيم النسل؛
5- حسن معاملة كل منهما لأبوي الآخر ومحارمه واحترامهم وزيارتهم واستزارتهم بالمعروف؛
6- حق التوارث بينهما.







[1] رشا بسام إبراهيم، عوامل استقرار الأسرة، رسالة ماستر، إشراف د جمال أحمد الكيلاني، جامعة النجاح الوطنية كلية الدراسات العليا فلسطين، 2010، ص: 69
[2] المادة الرابعة من مدونة الأسرة.
[3]  المادة الخامسة من مدونة الأسرة.
[4]  محمد الشافعي، شرح مدونة الأسرة،دون ط، دون سنة، سلسلة البحوث القانونية، العدد:24، ص:23.
[5]  محمد الشافعي، مرجع سابق،ص:23.
[6]  سورة البقرة، الآية: 228.
 سورة البقرة ، الآية: 233.[7]
1- الجمع بين أختين، أو بين امرأة وعمتها أو خالتها من نسب أو رضاع؛ 2
2- الزيادة في الزوجات على العدد المسموح به شرعا؛
3- حدوث الطلاق بين الزوجين ثلاث مرات، إلى أن تنقضي عدة المرأة من زوج آخر دخل بها دخولا يعتد به شرعا؛
زواج المطلقة من آخر يبطل الثلاث السابقة، فإذا عادت إلى مطلقها يملك عليها ثلاثا جديدة؛
4- زواج المسلمة بغير المسلم، والمسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية؛
5- وجود المرأة في علاقة زواج أو في عدة أو استبراء.


[9]   د, حكيمة الحطري، أحكام الزواج والطلاق في الفقه الإسلامي ومدونة الأسرة، الزواج وانحلال ميثاقه,ص:55
[10] محمد الغزالي/محمد سيد طنطاوي/علي عمر هاشم، تأليف مشترك، المرأة في الإسلام،مطبوعات أخبار اليوم، ص:95.
موقع مزارع،مقال لحسن خشيش تحت عنوان: الشروط التي يجب توافرها في المخطوبة، بتاريخ 22 نونبر 2014[11]
 شريف باقر، نظام الأسرة في الإسلام، ط/1، دار الأضواء، بيروت لبنان، 1988،ص: 50.[12]
[13]  الذاريات/ 49
[14]  سورة الروم، الآية: 21.
[15]رشا بسام إبراهيم، عوامل استقرار الأسرة المسلمة،م،س ص: 10.
[16]  الدكتور محمود عبد السميع شعلان، نظام الأسرة بين المسيحية والإسلام (دراسة مقارنة)، ج/1، دار العلوم للطباعة والنشر،1983م،ص:157.
[17]  المادة الرابعة من مدونة الأسرة.
[18]  يوسف القرضاوي، الأسرة كما يريدها الإسلام، سلسلة رسائل ترشيد الصحوة العدد:14، مكتبة وهبة، القاهرة، ص:62.
[19]  سورة الأعراف، الآية 80/83
[20]  سورة الحجر، الآية: 72/76.
[21]  ابن منظور، لسان العرب، ج/17، باب الراء، دار المعارف القاهرة، ص: 1721.
[22]  الشحات إبراهيم، أحكام الزواج في الشريعة الإسلامية، دون ط، ص:26.
[23]  الدكتور محمد رأفت عثمان، عقد الزواج أركانه وشروطه وصحته في الفقه الإسلامي،دون ط،دون س،ص:101.
[24]  الشحات إبراهيم،مرجع سابق،  ص: 26.
[25]  حكيمة الحطري،بتصرف، مرجع سابق، ص:55
[26]  تنص المادة 19 على ما يلي:" تكتمل أهلية الزواج بإتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقلية ثمان عشرة سنة شمسية كاملة"
[27]  تنص المادة 20 على ما يلي:"زواج القاصر متوقف على موافقة نائبه الشرعي.  تتم موافقة النائب الشرعي بتوقيعه مع القاصر على طلب الإذن بالزواج وحضوره إبرام العقد. إذا امتنع النائب الشرعي للقاصر عن الموافقة بت قاضي الأسرة المكلف بالزواج في الموضوع".
[28]  سورة البقرة، الآية: 221.
[29]  الخنثى هو من له آلتا الرجال والنساء، أو ليس له شيئ منهما أصلا، وله ثقب يخرج منه البول، وينقسم الخنثى إلى مشكل وغير مشكل، فالمشكل هو من لم تتبين فيه علامات الذكورة أو الأنوثة، ولا يعلم أهو رجل أو امرأة، أو تعارضت فيه العلامات،وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخنثى قبل البلوغ إذا بال من الذكر فغلام، وإن من الفرج فأنثى,
وقسم آخر ويطلق عليه الخنثى غير المشكل: وهو من يتبين فيه علامات الذكورة أو الأنوثة، فهذا ليس بمشكل، وإنما هو رجل فيه خلقة زائدة، أو امرأة فيها خلقة زائدة....عن منتدى ملتقى أهل الحديث.
[30]  محمد رأفت عثمان، مرجع سابق، ص: 158_159.
[31]  نفسه، ص:168_167.
[32]د. الحطري، مرجع سابق، ص: 98.
[33]  الشحات إبراهيم، مرجع سابق، ص:97.
[34] الدكتور إبراهيم الشحات، مرجع سابق، ص: 97.
[35]  إبراهيم الشحات،م س، ص:98.
[36]  إبراهيم الشحات،مرجع سابق،ص:106.
[37]  محمد الشافعي، مرجع سابق، ص:35.
[38]  وهبة الزحيلي، الغقه الإسلامي وأدلته،ج/7،دار الفكر،دمشق،1989، ص: 81.
[39]  الزحيلي، مرجع سابق، ص:42.
[40]  الفيومي، المصباح المنير، المكتبة العلمية{د ط،د ت}ص:223.
[41]  العيني، البناية في شرح الهداية، دار الفكر بيروت، ط/2، 1990، ص:114.
[42]  سعادي لعلى، الزواج وانحلاله في قانون الأسرة الجزائري،أطروحة دكتوراه،إشراف:بن ملحة الغوثي،جامعة يوسف بن خدة كلية الحقوق، 2015،ص:69.
[43]  وهبة الزحيلي،ج/7، مرجع سابق، ص: 254.
[44]  سورة النساء الآية:4.
[45]  محمد بن اسماعيل البخاري، الجامع الصحيح ،د.ت، الجزء 7، ص 80.
[46] ابن ماجه،سنن ابن ماجة د.ت، جـ 2، ص 723
[47] د.الحطري  مرجع سابق ص :144
[48] شريف باقر، نظام الأسرة في الإسلام، ط/1، دار الأضواء بيروت لبنان، 1988، ص: 70
[49]  روح الدين الإسلامي، عفيف طبارة عرض وتحليل لأصول الإسلام وآدابه تحت ضوء العلم والفلسفة ط 25 1985 دار العلم للماليين بيروت لبنان ص 367
[50]  الدكتور محمد عمارة، مقال حول عنوان: شبهة الرجال قوامون على النساء، منشور على صفحته الرسمية على الفيسبوك بتاريخ:12 مارس 2011.
[51]  عفيف عبد الفتاح طبارة، روح الدين الإسلامي، م س، ص: 367.
[52]  سورة الإسراء، الآية، 23.
[53]  محمد الكشبور،شرح مدونة الأسرة، الكتاب الأول، الزواج وآثاره، ط/1، 2006ص:100