إعلان الرئيسية العرض كامل



النظام القانوني للوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية:

بقلم: عزيز الجطيوي
طالب باحث بسلك ماستر 
الوساطة الأسرية والاجتماعية بفاس


الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية
الوساطة الاسرية بالتجربة الفرنسية








     تحتل الوسائل البديلة لحل النزاعات مكانة بارزة في الفكر القانوني الحديث، إن على مستوى الدراسات الفقهية رغم قلتها، أو على صعيد إقرارها بمختلف الأنظمة القانونية والقضائية العصرية.
     ویمكن تعریف الوسائل البدیلة  لتسویة المنازعات بكونھا: " مختلف الآلیات أو الوسائل التي تلجأ إلیھا الأطراف لإدارة وحل النزاع خارج إطار الوسیلة الأصلیة المتمثلة في "المنازعة القضائیة" وذلك من أجل التوصل إلى حل خلافاتھم، حیث یتم اللجوء إلى طرف ثالث محاید بدل اعتماد الدعوى القضائیة.[1]
    وقد أصبح اللجوء إلى الطرق البديلة لفض المنازعات أمرا ملحا في وقتنا الراھن، فرضته ضرورة تخفیف العبء عن المحاكم من كثرة القضایا المعروضة علیھا، والتي باتت تثقل كاھل القضاة والموظفین، الأمر الذي أثر سلبا على سیر إجراءات التقاضي التي یطول أمدھا، والتي زاد من حدتھا تعقد الإجراءات والمساطر وتسییرھا البطیئ الناتج عن تفاعل مؤشرات وتدخل عدة فاعلین.
     ونظرا لكون الوسائل البديلة قد نجحت في حل العديد من الإشكالات القانونية المستعصية على المستوى الدولي والداخلي للدول، ونجحت أيضا في التخفيف في العديد من الاكراهات التي تعاني منها المؤسسات القضائية التقليدية، فقد تدخلت جل الدول لاقرارها وإعطائها هامشا مهما في تشريعاتها الوطنية، وأصبحت تشكل إلى جانب التنظيم القضائي الرسمي سمات العدالة الناجعة والناجزة.
إقرأ أيضا: الوساطة الأسرية بالمغرب بين تحديات الواقع والآفاق المستقبلية
     وتعد الوساطة إحدى أهم الوسائل البديلة لفض النزاعات التي تعرف انتشارا واسعا خلال هذا العصر في مختلف الأنظمة والمدارس القانونية والقضائية عبر العالم، ويعود سبب ذلك لمرونة هذه الآلية وفعاليتها ي تسوية النزاعات بأقل تكلفة وأسرع وقت ممكن، مما مكنها من فرض وجودها كآلية ودية لتسوية النزاعات، واكتساح عدة مجالات.
    ونظرا لتحقيق الوساطة كآلية لتسوية النزاعات نتائج إيجابية ومحفزة في المجال التجاري، انتقل تطبيقها إلى باقي المجالات الأخرى التي فرض تطور الحياة ومراعات الجوانب الإنسانية في بعض النزاعات منها، وما تخلفه من آثار سلبية على بعض الأفراد الجديرين بالحماية، وباقي أطراف العلاقة الاجتماعية، كالمجال الأسري الذي تتعدى آثار النزاعات فيه أطرافها وتمتد إلى الغير كالأطفال، حيث بدأ التفكير جديا في طبيعة الآليات التي يجب أن تتولى تسوية هذا النوع من النزاعات والإجراءات التي يجب اتباعها في تسويتها، وتم بذلك أن تم تطبيق الوساطة في هذا المجال.
     وتعد الدول الأنجلوساكسونية وعلى رأسها المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، أول الدول التي عرفت وطبقت الوساطة في النزاعات الأسرية بمفهومها الحالي.
    وتعتبر الوساطة الأسرية  كما هي حاليا في نظام الدول ذات المرجعية اللاتينية، امتدادا واقتباسا من قوانين الدول ذات المرجعية الأنجلوساكسونية ومن ضمنها فرنسا ، وقد أخذت هذه الأخيرة بهذه الآلية كوسيلة بديلة نتيجة عدة عوامل، كما مرت  بعدة مراحل منذ أن اقتبستها عن طريق رحلات استكشافية علمية بكندا بعدة مراحل حتى أصبحت ذات تنظيم قانوني.
      من هنا يمكن طرح الإشكالية التالية:
إلى أي حد ساهم التنظيم القانوني للوساطة الأسرية في حماية الأسرة والارتقاء بها بالتجربة الفرنسية؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة التالية:
ما هي عوامل تقنين الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية؟
وما هي المراحل التي مرت منها في تقنينها؟
وما التعديلات التي لحقت آلية الوساطة والمجهودات المبذولة لتفعيلها بشكل ناجع؟
    للإجابة على هذه الأسئلة سنخصص التقسيم التالي:
المبحث الأول: عوامل ظهور الوساطة الأسرية بفرنسا ونشأتها
المبحث الثاني: تقنين الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية


المبحث الأول: عوامل ظهور الوساطة الأسرية ونشأتها بفرنسا

    تعد الوساطة الأسرية من بين أهم الطرق البديلة لحل المنازعات التي حظيت باهتمام كبير من مختلف التشريعات الأجنبية، حيث تشكل الوسيلة الأولى والمفضلة لتسوية النزاعات في ظل الأنظمة المقارنة، مما جعلها تعرف انتشارا واسعا وتطورا ملحوظا، ومن بين التجارب الرائدة في الوساطة الأسرية نجد التجربة الفرنسية، إذ تعتبر من بين الدول السباقة في اعتمادها في ترسانتها القانونية، وقد ظهرت نتيجة عدة عوامل (المطلب الأول) كما مرت نشأة الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية عبر مراحل متعددة ساهمت في تطويرها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: أهم عوامل ظهور الوساطة الأسرية بفرنسا
      قبل أن نشرع في الحديث عن العوامل التي أدت إلى ظهور الوساطة الأسرية يقتضي منا الحال بداية بيان المقصود من مفهوم الوساطة الأسرية في اللغة والاصطلاح.
  v   تعريف الوساطة الأسرية
  ü    الوساطة  في اللغة:   مشتقة من وسط يوسط وساطة، ووسط الشيئ أوسطه أعدله.
o      وفي التنزيل الحكيم: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا"[2] قال الزجاج فيه قولان قال بعضهم وسطا: عدلا. وقال بعضهم: خيارا. وقيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، إنه كان من أوسط قومه، أي خيارهم.[3]
  ü    تعريف الوساطة: عرفها البعض بكونها: تدخل في نزاع أو في عملية تفاوض يقبل الأطراف أن يقوم بها طرف ثالث_من صفاته أن يكون غير منحاز، حيادي، ولا يملك السلطة أو القوة لصنع القرار_ وذلك بهدف مساعدتهم بطريقة تطوعية في الوصول إلى اتفاقية خاصة بهم ومقبولة منهم.[4]
  ü    أما تعريف الوساطة الأسرية اصطلاحا عرفها البعض بكونها: "عملية بناء أو إعادة بناء الروابط العائلية، تتمحور حول استقلالية ومسؤولية الأشخاص المعنية بوضعيات الشقاق أو الانفصال، يعزز فيها شخص ثالث هو الوسيط الأسري المحايد والمستقل والمؤهل والذي ليس له سلطة اتخاذ القرار، تواصلهم ويحملهم من خلال تنظيم لقاءات سرية على تدبير نزاعهم الأسري الممتد في تنوعه وتطوره".[5]
  v   العوامل المساهمة في تقنين الوساطة الأسرية بفرنسا
          ظهرت الوساطة الأسرية بفرنسا نتيجة تظافر مجموعة من العوامل، ويمكن اجمالها فيما يلي:
  ü    ارتفاع نسب الطلاق والانفصال منذ فترة الثمانينات من اقرن الماضي.     
  ü    نمو النزعة الفردية خصوصا لدى النساء، نتيجة تحقق بعض مطالبها من طرف المشرع الفرنسي، من مساواة بينهن وبين الرجال في بعض الحقوق، وزيادة إمكانية وصولهن للعمل في مناصب المسئولية المهنية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي نتج عنه تطور في الحياة الزوجية، وتغير في الأدوار، داخل الأسرة، وظهور أشكال جديدة لها.
  ü    حماية الأطفال ضحايا الطلاق وتحسين ظروفهم بعد انفصال الأبوين أو طلاقهما. حيث جاء التفكير في الوساطة الأسرية كآلية لحماية الطفولة أولا وقبل كل شيئ، حيث من بين القيم التي أسست عليها الأبوة المشتركة، الأخذ في الاعتبار الحاجة الأساسية للطفل في البقاء على اتصال مع أبويه معا.
  ü    ما كانت تقوم به بعض المحاكم من قبيل محاكم باريس إذ كانت تقوم بتعيين الوسطاء دون موافقة الأطراف، استنادا إلى تفسير للمادة 21 من قانون المسطرة المدنية وذلك قبل صدور قانون 8 فبراير 1995.


المطلب الثاني: نشأة الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية:
    كان التوفيق قبل بدء الخصومة إجباريا، حيث يتعين على الأطراف اللجوء إلى محاكم الصلح وعرض النزاع عليها، ولما ظهرت مساوئ التوفيق الإجباري حاول المشرع الفرنسي الحد من خلال قانون 9 فبراير 1949 منها فجعله مقتصرا على بعض النزاعات وادخل بدلا منه نظام التوفيق الاختياري أي إمكانية اللجوء للصلح في أية مرحلة من مراحل الدعوى، واختص به القاضي المكلف بالاجراءات[6]

   وقد نشأت الوساطة الأسرية في فرنسا في ثمانينيات القرن الماضي على غرار باقي الدول الأوروبية، وكانت بدايتها عبر ممارسة الجمعيات والمنظمات الاجتماعية دون أن يكون هناك مفهوم للوساطة الأسرية، وقد استعمل هذا المصطلح  "الوساطة الأسرية" لأول مرة في العاشر من دجنبر سنة 1983 في بروكسيل، خلال اجتماع الحركات الأوروبية المهتمة بقضايا الأسرة، والتي رأت أنه من الضروري البحث عن حلول جديدة للتعامل مع النزاعات التي تقع داخل الأسرة.
   وبعد مجموعة من النقاشات الاجتماعية حول الوساطة الأسرية بفرنسا جاءت مرحلة التطبيق العملي لها، حيث بدأت جمعية الأب الأم الطفل في ممارسة الوساطة في النزاعات الأسرية، وهي أول جمعية بفرنسا اهتمت بهذه الآلية وحاولت تطبيقها على أرض الواقع، وعملت على تطويرها، وفي يناير سنة 1988 عقدت هذه الجمعية مؤتمرا حول الوساطة الأسرية.
    وبعد ذلك وفي نفس السنة 1988، تم تنظيم رحلة إلى الكيبيك متعددة الاختصاصات تضم محامين ومعالجين نفسانيين وعلماء النفس، والأخصائيين الاجتماعيين، ومستشارين في الحياة الزوجية، انتقلوا إلى هناك للتعرف على الوساطة الأسرية وتلقي خبرة أكثر عن طريق الممارسة، ومن أجل تطوير الوساطة الأسرية أسسوا جمعية "النهوض بالوساطة الأسرية"  التي بدأت مهامها بصياغة قانون أخلاق هذه المهنة، إذ قامت هذه الجمعية سنة 1990 بوضع أول مدونة للسلوك تحدد المبادئ والأخلاق الضرورية لممارسة الوساطة الأسرية.
وفي أكتوبر سنة 1988 تم فتح مصلحة للوساطة الأسرية من طرف جمعية أصدقاء جون بوسكو التي نظمت  بتعاون مع جمعية الارتقاء بالوساطة الأسرية المؤتمر الأوربي الأول للوساطة الأسرية بفرنسا سنة 1990، والذي حضره أكثر من 500 مشارك من ثماني جنسيات مختلفة، وكان هذا المؤتمر مناسبة لتقديم الوساطة الأسرية من طرف محترفون وخبراء من آفاق مختلفة.

   وفي سنة 1991 سيتم إنشاء للجنة الوطنية للجمعيات وخدمات الوساطة الأسرية (CNASMF)، والتي أصبحت فيما بعد باسم الاتحاد الوطني للوساطة الأسرية والفضاء الأسري، وهذا الاتحاد يضم جميع الجمعيات التي تشتغل في ميدان الوساطة الأسرية، وهدفه هو النهوض ودعم الوساطة الأسرية.

المبحث الثاني: تقنين الوساطة الأسرية بالتجربة الفرنسية

   نظرا لإيجابيات الوساطة الأسرية كإحدى الطرق البديلة لتسوية المنازعات، عمد المشرع الفرنسي إلى تنظيم هذا المفهوم الجديد قانونيا، وذلك بموجب القانون الذي دخل حيز التنفيذ في يوليوز من سنة 1996 (المطلب الأول) وقد صاحب هذا القانون تعديل سنة 2003 وصدور قوانين أخرى تروم حماية الأسرة، كما بذلت مجهودات لتطويها وهو ما سنتطرق إلية في (المطلب الثاني).
المطلب الأول: قانون الوساطة 22 يوليوز 1996

     نظرا لإشعاع الوساطة العالمي كإحدى الطرق البديلة لتسوية النزاعات للتخفيف عن القضاء من كثرة القضايا المعروضة عليه، وقد تم الترحيب بها كعدالة مرنة، إلا أنه في غياب مقتضيات قانونية وتنظيمية خاصة بها، عمدت مجموعة من الاجتهادات القضائية إلى البحث عن أساس قانوني للوساطة الأسرية ، اعتمادا على مقتضيات المادة 21 من قانون المسطرة المدنية، والتي تنص على أنه يدخل في مهمة القاضي محاولة الإصلاح بين الأطراف" حيث تم التوسع في تفسير لمادة الذكر، فأصبح في امكان القضاء الفرنسي اعتماد الوساطة الأسرية كآلية للصلح وتخفيف العبء عليها، وهذا التوجه صارت عليه مجموعة من المحاكم التي عملت على اعتماد الوساطة الأسرية كوسيلة مسبقة قبل بدء الدعوى، وجعلت الاستفادة منها مجانية.
       وبذلك تم ادراج الوساطة  سنة 1995 في قانون المسطرة المدنية الفرنسي بموجب الفصل 131
حيث صدر قانون 125/95المؤرخ في 08فبراير 1995و مرسومه التطبيقي    652/96الصادر في 22يونيو  1996لتكريس هذا الحلّ، وبذلك تعد فرنسا الدولة الأوروبية الأولى التي أصدرت تشريع خاص بالوساطة، و قد مكّنت المادة 1-131من قانون المسطرة المدنية الفرنسية القاضي المكلف بالنزاع بعد حصوله على موافقة الأطراف المتنازعة تعيين شخص ثالث من أجل الاستماع للأطراف و تقريب وجهات نظرهم من أجل الوصول إلى حل للنزاع القائم بينهم، و هذا الإجراء تم الأخذ به في فرنسا كتدبير موجه لتخفيف العبء على القضاء[7]
  وباستقراء المادة 131 من قانون المسطرة المدنية يتضح ما يلي:
تنص المادة 131_1 على ما يلي: " القاضي الذي ينظر في النزاع يمكنه بعد الحصول على موافقة الأطراف تعيين شخص آخر من أجل الوصول إلى حل للنزاع المطروح.[8]
  أن القاضي المعروض عليه النزاع، وبناء على وافقة طرفيه، هو الذي يأمر بتعيين الوسيط الذي يباشر مهمته تحت إشراف ومراقبة المحكمة، وهو إجراء يمكن أن يتم بأمر استعجالي بناء على طلب من له لمصلحة، وقد ينصب عمل الوسيط على النزاع بصفة كلية أو جزئية.
     وتنص المادة 131_3 على ما يلي: " الأجل العادي للوساطة لا يتجاوز 3 أشهر، ويمكن تجديده ثلاثة أشهر ولنفس المدة بطلب من الوسيط".
     فمدة الوساطة يجب ألا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتجديد بناء على طلب الوسيط الذي عليه أن يخبر القاضي فور توصله بقرار انتدابه للوساطة، وأن يشر بكل الصعوبات التي تعترض أداء لمهمته.
وتنص المادة 131-4 على ما يلي:
" يعهد بالوساطة أحيانا إلى شخص طبيعي أو جمعية
وإذا كان الوسيط المعين هو جمعية فإن ممثلها القانوني يخضع لموافقة القاضي من حيث اسم الشخص أو الأشخاص الطبيعيين الذين يقومون بضمان باسمها ويقومون بتنفيذ الاجراءات"
وتنص المادة 131-5 على ما يلي: الشخص الطبيعي المكلف بتنفيذ بإجراء الوساطة يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:
1_ لا يكون محط إدانة أو فقدان أهلية أو سقوط المعين في الجريدة رقم 2 في السجل العدلي.
2_ لا يجب أن يكون قد قام بأفعال مخالفة للشرف أو الاستقامة أو للأخلاق الحميدة والتي أدت به إلى عقوبة تأديبية أو إدارية من إقالة وشطب، عزل، سحب التعيين أو الترخيص.
3_ امتلاكه من خلال ممارسة نشاطه على المؤهلات المطلوبة بناء على طبيعة النزاع.
4_ أن يكون له تكوين وخبرة من خلال الممارسة العملية للوساطة.
5_ ضمانات الاستقلال الضروري في ممارسة الوساطة".
   وبالتالي يجب أن تتوفر في الوسيط سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا، وكيلا قانونيا لجمعية، مجموعة من الشروط تتعلق في مجملها بالأهلية والمروءة والأخلاق الحسنة وانعدام السوابق والتأهيل المناسب والكفاءة المهنية اللازمة والخبرة الضرورية وضمانات الاستقلالية المفروضة لممارسة مهامه.[9]
   أما المادة 131-9 فتنص على أنه:" الشخص الطبيعي المكلف بالوساطة عليه اعلام القاضي بكل الصعوبات التي يواجهها عند أداء مهمته".
    وفي سنة 2000، طلب وزير الأسرة بعد تقديمه لتقرير يقيم ممارسة الوساطة الأسرية، تطوير هذه الجديدة والارتقاء بها إلى مستوى مؤسسة عامة، ليتم بعد ذلك إحداث المجلس الاستشاري الوطني للوساطة الأسرية سنة 2001 بمرسوم وزاري ويتكون هذا المجلس من 17 عضوا يتوزعون على مختلف الإدارات والهيئات الوطنية المتدخلة في شؤون الأسرة، والمجلس مسؤول عن تقديم مقترحات لتعزيز تنظيم الوساطة الأسرية والنهوض بها وتطويرها.
   وقد عمل هذا المجلس على توحيد قواعد العمل في مجال الوساطة الأسرية، وكان أول ما انطلق منه هو صياغة تعريف رسمي وموحد للوساطة الأسرية بمعية الجمعيات العاملة في مجال الوساطة الأسرية، ويتمثل فيما يلي: " الوساطة الأسرية هي عملية بناء أو إعادة بناء الروابط العائلية، تتمحور حول استقلالية ومسؤولية الأشخاص المعنية بوضعية الشقاق أو الانفصال، يعزز فيها شخص ثالث وهو الوسيط الأسري المحايد والمستقل والمؤهل، والذي ليس له سلطة اتخاذ القرار، تواصلهم ويحملهم من خلال تنظيم لقاءات سرية على تدبير نزاعهم لأسري الممتد في تنوعه وتطوره ، ثم أنشأ في سنة 2003 دبلوم الدولة للوسيط الأسري _demf_ وحدد مجالات تطبيق الوساطة الاسرية في الطلاق والانفصال، والتضامن بين الأجيال، وحماية الطفل.[10]
    يخبر الوسيط القاضي عند انتهاء الوساطة كتابة، داخل لآجال المحددة له بمآل الوساطة، سواء انتهت إلى التسوية أو الفشل، ففي حالة الفشل يدرج ملف النزاع بإحدى جلسات المحكمة لمواصلة النظر فيه، وفي حالة التسوية يصادق القاضي على الاتفاق، بناء على طلب الأطراف، وفي إطار اختصاصه الولائي ليصبح قرار التسوية سندا تنفيذيا، كما يحدد أتعاب الوسيط والجهة التي يجب عليها الوفاء بها.[11]

المطلب الثاني: صدور قوانين أخرى ذات علاقة بالوساطة ومجهودات تطويرها

    إن التنصيص على الوساطة العائلية بشكل قاطع وحاسم في قانون المسطرة المدنية الفرنسي جاء من خلال قانون 4 مارس  2002 الذي دخل حيز التنفيذ سنة  2003المتعلق بالوساطة الأبوية  هذا الأخير الذي نص في الفصل 10_2_373 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي على أنه:
   " في حالة عدم الاتفاق يبذل القاضي قصارى جهده للإصلاح بين الأطراف.
ومن أجل تيسير ممارسة السلطة الأبوية بشكل رضائي من طرف الآباء، يمكن للقاضي أن يقترح عليهم إجراء الوساطة وبعد تلقيه موافقة الأطراف يقوم بتعيين الوسيط الأسري.
    ويمكن له أن يأمرهم بلقاء الوسيط الأسري، هذا الأخير الذي سيعمل على إخبارهم بهدف ومسار هذا الاجراء."[12] 
كما أن قانون 26 ماي 2004 المتعلق بالطلاق والذي دخل حيز لتنفيذ في 1 يناير 2005، إذ شجع على الوساطة الأسرية، فنص من خلال الفصل 255 من قانون المسطرة المدنية على ما يلي:
   " يمكن للقاضي فقط:
1-   الاقتراح على الزوجين إجراء الوساطة، وبعد تلقيه موافقة الأطراف يقوم بتعيين الوسيط الأسري.
2-   يأمر الزوجين بلقاء الوسيط الأسري، والذي يخبرهم بهدف ومسار هذا الاجراء.
  يتضح من خلال مقتضيات هذا الفصل أن المشرع الفرنسي قد رخص للقاضي بعد موافقة الأطراف أن يقوم بتعيين الوسيط الأسري، وأن يأمر الزوجين بلقائه، مما يعني أن القاضي لا يستطيع من تلقاء نفسه أن يأمر باللجوء إلى الوساطة، بل يقتضي الأمر الموافقة المسبقة لأطراف النزاع.[13]
  وقد تدخل المشرع الفرنسي من أجل تعديل القوانين ذات الصلة بهذه المجالات، وجعل المرور من الوساطة الأسرية فيها إجباريا، حيث عدل القانون المتعلق بالطلاق بقانون 26 ماي 2004 وأعطى إمكانية إمكانية إحالة الأطراف على وسيط من قبل القاضي بعد أخذ موافقتهم، إضافة إلى تعديل 5 ماي 2007 المتعلق بحماية الأطفال، الذي جعل الإحالة على الوساطة الأسرية بأمر من قاضي شؤون الأسرة أو قاضي الأحداث، ثم تلا هذا تعديلات وإجراءات بدأها وزير العدل في يونيو من سنة 2008، حيث كلف لجنة لإعداد تقرير حول إمكانية تعديل بعض الإجراءات القضائية، وفتح الباب أمام الأطراف للجوء إلى الوساطة الأسرية قبل رفع الدعوى أو أثناء مرحلة الاستماع إليهما من طرف القضاء.
     وهذه التعديلات وغيرها، كانت تدفع كلها باتجاه الوساطة الأسرية التي يكون الهدف منها، هو حماية الأطفال، وملائمة سلطات الأبوين في حالة النزاع بما يتوافق مع مصالحهم باعتبارهم الضحية الأولى للنزاعات الأسرية، وكونهم قاصرين يفرض على الدولة التدخل لضمان الحماية لهم والعيش في ظروف جيدة.
      وما يزكي هذا الطرح هو إحداث اللجنة الوطنية لدعم الأبوة والأمومة "cnsp" في شهر نونبر من سنة 2010 من طرف الوزارة المكلفة بشؤون الأسرة، والتي تتولى تنسيق عملية دعم الأبوة والأمومة بشكل أفضل، وتبسيط عملية إدارتها عن طريق الوساطة الأسرية.[14]
  

          يتبين من خلال ما سبق، أن المشرع الفرنسي قد قطع أشواطا مهمة في الأخذ بآلية الوساطة الأسرية، حيث:
·       نظر للعلاقة الأسرية بكونها واجبة الحماية والاهتمام.    
كما استجاب لدعوات المجتمع المدني في ضرورة إقرار الوساطة الأسرية، علاوة     على أنه عمل أشراكه في تطبيقها.
·        رحب بالوساطة كعدالة بديلة لتسوية النزاعات الأسرية، ومكن الأطراف       المتنازعة من اللجوء إليها في كافة مراحل الدعوى.
·   عمل على تطويرها بإصداره لعدة قوانين تهم الوساطة وقوانين أخرى ذات  صلة بالوساطة الأسرية.
·    هدف من خلال إقرار الوساطة حماية الأطفال ضحايا الطلاق وتحسين  ظروفهم بعد انفصال الأبوين أو طلاقهما بالدرجة الأولى.
·       كخطوة بناءة منه في تشجيع اللجوء إليها، أحاطها بحوافز لها أهمية بالغة من  قبيل جعل الاستفادة منها مجانية.






[1] محمد برادة غزیول، تقنیات الوساطة لتسویة النزاع دون اللجوء إلى القضاء، ط ،1الدار العالمیة للكتاب، 2015م، ص:15 .
[2] سورة البقرة، الآية: 143.
[3] ابن منظور، لسان العرب، المجلد7، دار صادر للنشر، بيروت،د /سنة، د /ط، ص: 430.
[4] محمد سلام، دور الطرق لبديلة لحل النزاعات في اصلاح القضاء وتأهيله لمواجهة تحديات العولمة، المجلة المغربية للقانون والاقتصاد والتسيير، ع 51، 2005، ص: 145.
[5] نور الدين الكامل، الوساطة الأسرية_دراسة فقهية قانونية_ رسالة لنيل شهادة الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2016/2017، ص: 7.
[6] سعيد المعتصم : مرحلة الصلح في المساطر القضائية رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون المدني جامعة محمد الخامس اكدال كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط السنة الجامعية 2004/2005 ص :137.
[7] ساجية بوزنة، الوساطة في ظل قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري، رسالة لنيل الماستر، جامعة عبد الرحمان ميرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2011/2012. ص:133.
[8] المادة: 131_1 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي
 [9] عثمان أخديم، الوسائل البديلة لحل النزاعات الأسرية( الوساطة نموذجا) رسالة لنيل الماستر، كلية العلوم القانونية والاجتماعية بوجدة، جامعة عبد الملك السعدي، 2009/2010، ص:66.
[10] نور الدين الكامل، الوساطة الأسرية_دراسة فقهية قانونية_ رسالة لنيل شهادة الماستر، كلية العلوم القانونية والاقتصادية بفاس، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، 2016/2017، ص:80.
[11]  عثمان أخديم، م س، ص: 63.
[12] الفصل 10_2_373 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي
[13]  عثمان أخديم، م س، ص: 110.
[14] نور الدين الكامل، م س، ص: 80.