إعلان الرئيسية العرض كامل

ضمانات المحاكمة العادلة في دستور 2011



ضمانات المحاكمة العادلة في دستور 2011



ضمانات المحاكمة العادلة في دستور 2011
ضمانات المحاكمة العادلة في دشتور 2011

مقدمة: 

    شهدت حقوق الإنسان بالمغرب في الآونة الأخيرة اهتماما متزايدا، ومن أهم هذه الحقوق التي تطرح نفسها بقوة الحق في المحاكمة العادلة باعتباره المؤشر الحقيقي على مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا ومقياس أصيل في بناء دولة الحق والقانون. 

    وتتمثل المحاكمة العادلة في ضمان التوازن بين حق الدولة في العقاب وحقوق المشتبه فيهم أو المتقاضين في احترام حقوقهم وحرياتهم وضمان حقوق الدفاع المخولة لهم قانونا. 

    لذا فان المشرع المغربي قد أولى بدوره اهتماما خاصا لموضوع المحاكمة العادلة وذلك من خلال المستجدات التشريعية التي عرفتها الساحة القانونية مؤخرا خاصة ما تضمنه دستور 2011 باعتباره أسمى قانون في الدولة، إذ تضمن اعترافا صريحا في ديباجته بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا. 

    ولكفالة هذه الحقوق يقتضي الأمر وجود العديد من الضمانات والآليات لتكريسها وحمايتها، وما يهمنا في هذا الموضوع هو ذلك الشق من الدستور المتعلق بضمانات المحاكمة العادلة. 

   فالدستور الحالي[1] لفاتح يوليوز 2011 قد أفرد الباب الثاني للحريات والحقوق الأساسية وأطره في اثنين وعشرين فصلا، والباب السابع المتعلق بالسلطة القضائية المؤطر في اثنين وعشرين فصلا. 

    وعليه فان الإشكالية التي سنتناولها بالبحث والتحليل في موضوعنا هذا، أية ضمانات للمحاكمة العادلة وفق ما جاء به دستور 2011؟

 للاجابة على هذه الاشكالية سنعتمد  التقسيم التالي:

المبحث الأول: أهم الضمانات المرتبطة بحقوق الإنسان

المبحث الثاني: أهم الضمانات المرتبطة بسير المحاكمة العادلة


المبحث الأول: أهم الضمانات المرتبطة بحقوق الإنسان 

المطلب الأول: مبدأ قرينة البراءة ومبدأ الشرعية 

الفقرة الأولى: مبدأ قرينة البراءة 

   تقوم القواعد الإجرائية الجنائية التي تتضمنها مختلف المواثيق والاتفاقيات الدولية على خاصية أساسية ألا وهي أن الأصل في المتهم هو البراءة، وبذلك فإن معظم التشريعات الوطنية وجدت نفسها ملزمة بتبني هذا المبدأ حتى تستطيع مواكبة التطور الحاصل في مضامين الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها وأصبحت عضوا فيها والمشرع المغربي شأنه شأن باقي التشريعات المقارنة واحتراما منه لما التزم به، عمل المشرع لأول مرة على الارتقاء بمبدأ قرينة البراءة ليجعل منه مبدأ دستوريا ضمن التعديلات الأخيرة التي عرفها دستور المملكة الجديد. 

    وقد تضمن الدستور الجديد مقتضيات خاصة بقرينة البراءة ، وذلك في فصلين اثنين الفصل 23 بفقرته الخامسة حيث نص على ما يلي " قرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة مضمونان"، وكذلك في الفصل 119 الذي نص على أنه "يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به". 

    فمبدأ قرينة البراءة من أهم المبادئ ويجب أن يكون حاضرا في كافة مراحل المسطرة بدءًا من البحث التمهيدي مرورا بمرحلة استنطاق النيابة العامة ثم مرحلة التحقيق الإعدادي عندما يكون لها مقتضى وانتهاء بمرحلة المحاكمة. 

    فبحسب هذا المبدأ يجب أن يعامل الشخص المتابع معاملة إنسانية على اعتبار أنه بريء وبالتالي وجب ألا يتخذ في حقه أي إجراء قد يمس بحريته إلا وفق الشروط المقررة قانونا، ومن ناحية أخرى فالشخص المتابع معفى بقوة القانون من إثبات براءته مادامت هذه الأخيرة أصلا مفترضا وعلى من يدعي خلاف ذلك إثبات العكس. 

   إذاً فالمشرع المغربي بارتقائه بهذا المبدأ إلى المرتبة الدستورية ان دل على شيء فإنما يدل على تكريس الدستور الجديد لمبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا. 

   ويتفرع عن هذا المبدأ عدة حقوق من أهمها حق التزام الصمت، فالمشرع الدستوري نص على هذا الحق ضمن الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية وذلك في الفصل 19 الذي اعتبره حقا من حقوق الشخص المعتقل، بالإضافة إلى واجب إشعاره وبالكيفية التي يفهمها بأسباب اعتقال المشتبه فيه. 

   ويعتبر حق المتهم في الصمت أثناء استجواب الشرطة له، وخلال المحاكمة من الحقوق المكفولة للمشتبه فيه بموجب المواثيق الدولية فهو عبارة عن حق قانوني للمتهم يمكنه من السكوت آو الامتناع عن الإجابة على ما قد يوجه إليه من أسئلة دون أن يفسر صمته على أنه قرينة ضده، فالصمت حق له ولا يجوز أن يضار شخص لممارسته حقا. 

    فالتزام الصمت ينسجم مع الحق في احترام قرينة البراءة والحق في الدفاع حيث لا إلزام على المتهم بالرد على الأسئلة التي توجه إليه، فمن حقه أن يجيب على ما يشاء من الأسئلة دون أن يكون هناك إلزام لجهة التحقيق في إجباره على الكلام استنادا إلى استقرار عبء الإثبات على عاتق سلطة الاتهام، فموقف المتهم في الصمت ينسجم مع موقفه في الدفاع عن نفسه. 

    كما يعتبر حق الدفاع أساس المحاكمة العادلة اعتبارا إلى الغاية التي يرمي إليها ألا وهي تحقيق المساواة في المراكز الإجرائية للخصوم أمام القضاء، وكل اختلال في هذه المعادلة سيؤدي حتما إلى الإخلال بالحريات وضمانات الأفراد . 

   ويعني حق الدفاع إعطاء الفرصة للماثل أمام المحكمة الحق في إبداء جميع دفوعاته وفي الاستعانة بمحامٍ كي يترافع نيابة عنه. 

   ونظرا للاهتمام المتزايد بضرورة تحصين حقوق الدفاع وحمايتها فقد أقر المشرع المغربي أغلب هذه الحقوق ضمن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، وأمام اللبس والغموض الذي ظل يتخلل بعض نصوص قانون المسطرة الجنائية وقصور بعض النصوص الأخرى ارتفعت الأصوات المنادية بضرورة دسترة الحق في الدفاع واعتباره مبدأ دستوريا ليأتي دستور 2011 مقرا بشكل صريح بأن حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم بحيث نص الفصل 120 في فقرته الأخيرة على أنه" حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم". 

    أما المساعدة القانونية فمدلولها واسع ولعل أبرز تمظهراتها تتجلى – بالنسبة لموضوعنا الحالي – في كون المتابع يحق له أن تنصب له المحكمة محاميا للدفاع عنه عن طريق المساعدة القضائية في حالة عدم توفره على موارد كافية. 

الفقرة الثانية: مبدأ الشرعية 

   نص الدستور الحالي على هذا المبدأ في الفقرة الأولى من الفصل 23، ويفيد هذا المبدأ كون أي شخص لا يمكن إلقاء القبض عليه أو متابعته أو محاكمته إلا وفق القوانين الجاري بها العمل، خاصة القانون الجنائي. 

   ويرتبط هذا المبدأ بمبدأ آخر مهم هو عدم رجعية القوانين، وكلاهما يبعثان إشاعة الطمأنينة، لكون الأفعال التي تعتبر جرائم محددة في نصوص معينة، ومعروفة للجميع، ومن ثم لا يمكن متابعة أي شخص بأي فعل خارج الأفعال المعتبرة جرائم بنص القانون. 

المطلب الثاني: سمو الاتفاقيات الدولية والمساواة أمام القانون 

الفقرة الأولى: سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الوطني 

    لم يكن الدستور المغربي لسنة 1996 يتضمن نصا صريحا ينظم العلاقة بين المواثيق الدولية والقانون الداخلي أو ما يقتضي صراحة سمو المواثيق الدولية على التشريع الوطني، وأن البعض كان يعتبر أن التزام المغرب في تصديره لدستور 1996 بالتشبث بحقوق الإنسان المتفق عليها عالميا إعلان عن أولوية هذه المواثيق ضمنيا، لكن غياب النص الصريح يحيل على التأويل القابل للشيء ونقيضه[2]

   لكن المشرع المغربي حسم كل خلاف قد يثار بخصوص إشكالية سمو المواثيق الدولية على القوانين الوطنية وذلك استجابة – خاصة - لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، فقد نص دستور المملكة في تصديره بشكل واضح وصريح على جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة. 

   إذن، فالمشرع المغربي يكون بذلك قد نص ولأول مرة على هذا المبدأ، الأمر الذي يعتبر تقدما دستوريا في تاريخه بخصوص تعزيز ثقافة حقوق الإنسان. 

    والملاحظ أن المشرع الدستوري المغربي قد اشترط لنفاذ هذه المواثيق أولا أن تكون منشورة بالجريدة الرسمية، وثانيا أن لا تتعارض مع روح الدستور أي أن لا تتعارض مع الهوية المغربية وبالخصوص الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي وبالنظام الملكي للدولة. 

   وقد بدأ العمل القضائي المغربي يأخذ بهذا المبدأ الدستوري، فنجد أن المحكمة الابتدائية بالجديدة قد رجحت مضامين الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي، وذلك بمناسبة الحكم[3] الصادر بتاريخ 02/05/2013 في الملف عدد 634/2011، والذي يتعلق برد دفوعات شركة التأمين ضد أم قاصر، كون هذه الأخيرة لا تملك صفة التقاضي، فكان الحكم المذكور منصفا لهذه الأم وذلك اعتمادا على اتفاقيات دولية، وفي ما يلي ندرج بعضا من حيثيات هذا الحكم : 

-" حيث تقدمت المدعية بدعواها نيابة عن ابنتها المزدادة سنة 2004 مفيدة في تصريحاتها أن والد هذه الأخيرة مهاجر بالديار السعودية ولا ينفق على ابنته منذ ولادتها. 

- وحيث إن الصفة من النظام العام تثيرها المحكمة تلقائيا طبقا للفصل الأول من قانون المسطرة المدنية. 

- وحيث إن المرأة لها نفس الحقوق والمسؤوليات كالوالد في الأمور المتعلقة بأطفالها وفي جميع الأحوال تكون مصالح الأطفال هي الراجحة طبقا للمادة 16 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المصادق عليها من طرف الدولة المغربية. 

- وحيث إن مصلحة الطفلة تقتضي حصولها على التعويضات المستحقة لها عن الأضرار اللاحقة بها جراء الحادثة وإن مراعاة مصلحتها الفضلى هو الأجدر بالاعتبار طبقا لمقتضيات اتفاقية حقوق الطفل المصادق عليها من طرف الدولة المغربية. 

- وحيث انه استنادا لذلك فان صفة المدعية ثابتة." 

   كما أن الترسانة القانونية المتعلقة بحقوق الإنسان قد تعززت في ظل هذا الدستور ما دامت حسب الفصل 175 - المؤسس لمراجعة الدستور- لا يمكن أن تكون موضوع مراجعة. 

   ويعتبر هذا المبدأ مظهرا من مظاهر الحاكمة العادلة لكونه يجعل المغاربة متساوين مع باقي أفراد المجتمع الدولي فيما يخص تمتعهم بالحقوق الإنسانية، فماذا عن مبدأ المساواة أمام القانون الوطني؟ 

الفقرة الثانية: المساواة أمام القانون 

   لقد تم التنصيص على هذه الضمانة في الفصل 19 من الدستور الحالي، ومفادها أن جميع المغاربة متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. وتعزيزا لهذا المبدأ، فقد نص الدستور أيضا على منع إنشاء محاكم استثنائية وذلك في الفقرة الثانية من الفصل 127. 

   ويعتبر مبدأ المساواة من المبادئ الأساسية للتنظيم القضائي المغربي، وهو إحدى ضمانات المحاكمة العادلة، ويقتضي هذا المبدأ عدم التمييز بين المتقاضين بسبب اللون أو العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي أو الدين، وبتسهيل وصول جميع الأفراد إلى المحاكم. 

   والمساواة أمام القضاء مبدأ عالمي نصت عليه جميع المواثيق والمعاهدات الدولية التي تعنى بمجال حقوق الإنسان، والمثال على ذلك ما جاء في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: "الناس جميعا سواسية أمام القانون". 

   وكنتيجة لهذا المبدأ المهم، فقد تم مؤخرا نسخ المقتضيات المتعلقة بمقاضاة المدنيين أمام المحكمة العسكرية، كما تم نسخ المقتضيات المتعلقة بالمحكمة العليا من الدستور، هذا الحذف الذي يعتبره بعض الفقه[4] ليس دليلا كافيا لإلغاء المحكمة العليا، لأن منع إحداث محاكم استثنائية يفيد المستقبل ولا يرتبط أساسا بما هو موجود حاليا. 

   كما تم حذف الفقرة الثانية والثالثة والرابعة من الفصل 39 من الدستور القديم، وإبقاء الفقرة الأولى فقط التي تمثل الفصل 64 من الدستور المغربي الحالي، والمتعلق بالحصانة الممنوحة لأعضاء البرلمان أثناء إبداء رأيهم أو قيامهم بتصويت خلال مزاولتهم لمهامهم. 

   وقد جاءت هذه المقتضيات الدستورية الجديدة استجابة للعديد من المطالبات والآراء الفقهية[5] التي كانت تهدف إلى تعزيز مبدأ المساواة ومنع كل ما من شأنه أن يهدر هذا المبدأ. 

المبحث الثاني: أهم الضمانات المرتبطة بسير المحاكمة العادلة 


   لقد أعطى الدستور المغربي الجديد للقضاء حيزا مهما، فقد جاءت مقتضيات السلطة القضائية مؤطرة في 22 فصلا مقسمة على ثلاث محاور وذلك في الفصول من 107 إلى128، بينما كان دستور 1996 يفرد للقضاء 6 فصول (من الفصل 82 إلى الفصل 88). 

   وسنحاول معالجة مسألة استقلال القضاء في المطلب الأول، أما المطلب الثاني فقد خصصناه للتعويض عن الخطأ القضائي ودور المحكمة الدستورية في تعزيز مبادئ المحاكمة العادلة. 

المطلب الأول: مبدأ استقلال القضاء ودسترة إجراءات المحاكمة العادلة 

الفقرة الأولى: استقلال القضاء 


   أفرد الدستور المغربي الحالي لاستقلال القضاء 10 فصول (من الفصل 107 إلى الفصل 116). 

    ونظرا للأهمية التي يكتسيها القضاء كضمانة لاحترام حقوق وحريات الأفراد، وباعتباره الآلية المعهود إليها ضمان سيادة القانون ومساواة الجميع أمام مقتضياته فلا بد أن تتولاها سلطة تتمتع بكامل الاستقلال عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، لذلك تحرص معظم الدساتير على التنصيص الصريح على هذا المبدأ، ومقتضاه أنه لا يجوز باسم أية سلطة سياسية أو إدارية كانت أن تتدخل في عمل من أعمال القضاة أو التأثير عليهم بأي شكل من الأشكال بخصوص أي قضية معروضة عليهم للبت فيها أو ممارسة ضغط مباشر أو غير مباشر للتأثير على المحاكم بخصوص ما تصدره من أحكام قضائية، وأن لا يخضع القضاة وهم يزاولون مهامهم إلا لضمائرهم ولسلطان القانون. 

    فالدستور الجديد الذي منع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء وأسس لمفهوم الاستقلال الشخصي للقضاة في مهامهم القضائية بتحكيم القانون والضمير المهني دون الخضوع لأية مؤثرات كيفما كان شكلها تاركا المشرع الدستوري المسؤولية بين يدي القاضي عند المس باستقلاليته الشخصية وبإحالة المسألة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية قصد البت فيها. 

    ويعتبر الملك أهم ضمانة لاستقلال القضاء نظرا لما للمؤسسة الملكية من حضور ومكانة وثقل في النظام السياسي المغربي. 

   ولقد أعطى الدستور المغربي الجديد للقضاء المكانة التي تليق به كسلطة خاصة أنه في السابق كان ينظر إليه كوظيفة نتيجة ارتباطه وتبعيته للسلطة التنفيذية، وذلك في إطار تعزيزه لمبدأ استقلال القضاء. 

   وهذا الارتقاء الدستوري بالسلطة القضائية مازال محط انتقاد خصوصا أن آليات تفعيل هذا المقتضى لا زالت غامضة ومبهمة، فالسلطة القضائية أتت في الدستور كتسمية وليست كمقتضى دستوري واضح وصريح يؤسس لمكانة تليق بكل ما تعنيه كلمة سلطة، وهو ما يجرنا إلى الحديث عن استقلال هذه السلطة خاصة إذا علمنا أن السلطة القضائية إذا ما تجلت على أرض الواقع هي الكفيلة بتثبيت وترسيخ استقلال القضاء. 

   وأهم ما يعزز هذا الرأي، أن الدستور الحالي لم يتطرق لمسألة العلاقة بين السلطة القضائية وباقي السلط كما فعل في الباب السادس من الدستور، إذ نظم علاقة السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية، بل اكتفى بإشارة بسيطة في الفقرة الثالثة من الفصل 113 بخصوص الآراء المفصلة التي يصدرها المجلس الأعلى للسلطة القضائية بناءً على طلب من الملك أو الحكومة أو البرلمان. 

   وبما أن الدستور يجب أن يؤول تأويلا إيجابيا فإنه يمكن القول أن الاستقلال المالي والإداري للمجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الكفيل بالارتقاء بالقضاء كسلطة وضمان استقلال القضاء. 

الفقرة الثالثة: دسترة سير إجراءات المحاكمة 

   أسس الفصل 117 لمفهوم الأمن القضائي كإحدى الغايات والأهداف المطلوب من القاضي تحقيقها إذ أكد هذا الفصل على ضرورة تولي القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون. 

   وقد تمت دسترة مجموعة من الضمانات المرتبطة بالأمن القضائي والتي كان منصوصا عليها في القانون العادي، ومن أهمها الحق في التقاضي) الفصل 118 ( مبدأ المجانية (الفصل 121) ومبدأ علنية الجلسات )الفصل 123 (ومبدأ تعليل الأحكام (الفصل 125)، كما تم دسترة عمل النيابة العامة (الفصل 110) وعمل الشرطة القضائية (الفصل 128). 

   ومن أهم ما جاء به الدستور الحالي هو تنصيصه على صدور الحكم داخل أجل معقول، ومفاد هذا المبدأ أن تنظر المحكمة في القضية المعروضة أمامها وأن تبت فيها داخل أجل معين، ويعتبر بعض الفقه [6]أن المحكمة إذا لم تنظر في قضية معينة داخل اجل معقول تجعلها تنسف بأسس العدالة، ويضر بمصالح المتضرر من الجريمة وبالمتهم على حد السواء. 

المطلب الثاني: التعويض عن الخطأ القضائي ودور المحكمة الدستورية في تعزيز مبادئ المحاكمة العادلة 

الفقرة الأولى: مبدأ التعويض عن الخطأ القضائي 

  أقر الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 122 منه مبدأ التعويض عن الخطأ القضائي، ومفاد هذا المقتضى الدستوري الجديد أن السلطة القضائية أصبحت مسؤولة عن الأخطاء القضائية التي يرتكبها القضاة تجاه المتقاضين خاصة على مستوى الجانب الزجري لما لها من آثار جسيمة على حرية وشرف المشتبه فيهم. 

   ولقد كان هناك اتجاه رافض لمبدأ التعويض عن الخطأ القضائي مدافعين عن ذلك بتمسكهم أن الحكم يحوز حجية الأمر المقضي به من جهة، ومن جهة أخرى لانعدام الأساس القانوني للتعويض عن الخطأ القضائي. 

   ويعتبر هذا المبدأ مكسبا مهما لكونه سيرفع من أداء وجودة الخدمات القضائية إذ أن المسؤولية عن الأخطاء القضائية ستجعل القضاء يضع في حسبانه آثار الأخطاء التي يرتكبها هذا الجهاز من جهة، ومن جهة أخرى إن الدستور المغربي الجديد أوجد الأساس القانوني الذي سيرفع الحيف عن المتقاضين الذين تضرروا نتيجة أخطاء قضائية غير متعمدة. 

   ويمكن القول بأن القضاء الإداري ممثلا في المحاكم الإدارية بعد صدور الدستور الجديد، أصبح لا يتردد في قبول النظر في دعاوى المسؤولية عن الخطأ القضائي بعد إعمال المقتضيات القانونية المحددة لتوزيع الاختصاص، ما دام أن الدولة هي التي تتحمل التعويض عن الخطأ القضائي[7]

   ونورد فيما يلي حكما [8]للمحكمة الإدارية بالرباط حاولت من خلاله بيان الحد الفاصل في توزيع الاختصاص بين القضاء الإداري والعادي، هو الحكم الصادر بتاريخ 20/3/2013 في الملف عدد 171/12/2012 والذي جاء فيه : 

"وحيث إن تحديد الجهة القضائية المختصة يقتضي تكييف طبيعة الخطأ المرتكب ونوعية المرفق موضوع المساءلة والجهة المسؤولة عنه وما إن كان يشكل خطأ شخصيا يسأل عنه القاضي مدنيا في إطار حالات المخاصمة أم خطأ مرفقيا تسأل عنه الدولة في إطار قواعد المسؤولية الإدارية. 

وحيث إن الخطأ المدعى به صدر بمناسبة البت في دعوى معروضة أمام محكمة النقض في إطار الوظيفة القضائية المسندة لمرفق القضاء الذي يعتبر مرفقا عاما من مرافق الدولة، يخضع لقواعد المسؤولية التي تحكم هذا المرفق والعاملين به، وتبعا لسلطة المحكمة في تكييف طبيعة الخطأ، والتزاما بمقتضيات الدستور التي أوجبت التطبيق السليم والعادل للقانون، وبصرف النظر عن الإطار القانوني الذي أطر فيه المدعي دعواه، فإنه بعد دراسة كافة معطيات القضية تبين لها أنه لا يوجد ما يثبت كون الخطأ المنسوب للهيئة القضائية صدر عن غش أو تدليس أو غدر أو محاباة من القاضي لأحد الأطراف، وبالتالي لا يندرج ضمن حالات المخاصمة المقررة بموجب الفصل 391 من قانون المسطرة المدنية التي توجب عند تحققها تحميل القاضي المخل بواجبات منصبه المسؤولية المدنية عن الخطأ المرتكب من طرفه طبقا للفصل 81 من قانون الالتزامات والعقود، على اعتبار أن دعوى المخاصمة هي دعوى مسؤولية مدنية ترمي إلى جبر الضرر عن طريق التعويض، مما يتعين معه استبعاد الدفع بعدم اختصاص المحكمة نوعيا للبت في الطلب وباختصاص محكمة النقض طبقا لمسطرة المخاصمة لعدم تحقق شروطها . 

وحيث إنه مادام المشرع لم يحدد جهة قضائية معينة للبت في طلبات التعويض عن الخطأ القضائي المؤسسة على الفصل 122 من الدستور المغربي، فإن المحكمة الإدارية تبقى صاحبة الولاية العامة - استنادا إلى مقتضيات المادة الثامنة من القانون المحدث لها - للبت في طلب التعويض عن الخطأ المرتبط بسير مرفق عمومي والتحقق من قيام شروط مسؤولية الدولة عنه طبقا لقواعد المسؤولية الإدارية المقررة بموجب الفصل 79 من قانون الالتزامات والعقود، تأكيدا لخضوع مرفق القضاء لمبدأ المساءلة المقرر دستوريا". 


الفقرة الثانية: المحكمة الدستورية 

   تعتبر المحكمة الدستورية من بين أهم الدعامات المرتبطة بمجال حقوق الإنسان والحريات العامة، نظرا للاختصاص الحصري لهذه المحكمة والمتجلي في النظر في القضايا المتعلقة بالدفع بعدم دستورية القوانين، وأيضا نظرا لكون جميع القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها تعرض أولا عليها (الفصل 132)، وكون الفصل 135 يمنع إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التي تم البت بشأن عدم دستوريتها. 

  إضافة لهذا فقد جعل المشرع الدستوري قرارات المحكمة الدستورية ملزمة للجميع وغير قابلة لأي طعن. 

خــــاتـــــمــــــة: 

وخير ما يمكن أن نختم به هذا الموضوع ما جاء في خطاب لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الدستور الجديد" إن أي دستور مهما بلغ من الكمال فإنه ليس غاية في حد ذاته وإنما هو وسيلة لقيام مؤسسات ديمقراطية تتطلب إصلاحا وتأهيلا سياسيا ينهض بهما كل الفاعلين لتحقيق طموحنا الجماعي ألا وهو النهوض بالتنمية وتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين". 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 30 يوليوز 2011، ص 3600. 

[2] - عائشة خمليشي، الحقوق الإنسانية، سلسلة محاضرات ألقيت على طلبة السداسية الرابعة، ..... 

[3] - مذكور بمقال " دور القضاء في حماية المرأة من العنف والتمييز محاكم الدائرة القضائية بالجديدة نموذجا إعداد الأستاذة نبيلة غازي- قاضية بالمحكمة الابتدائية بالجديدة والأستاذ عبد الرحمان قوام – نائب وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالجديدة، منشور بموقع www.marocdroit.com تاريخ الزيارة 08/01/2015. 

[5] - عبد الواحد العلمي، شرح المسطرة الجنائية المغربية، 

[6] - لفتة هامل العجيلي، حق السرعة في الإجراءات الجزائية، منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الأولى، 2012، بيروت، لبنان، ص 10. 

[7] - شكري عبد الخالق، مسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي، منشور بموقع www.marocdroit.com تاريخ الزيارة 08/01/2015. 

[8] - شكري عبد الخالق، نفس المرجع السابق.